لم يكن استهداف الزوايا في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية عملاً عشوائيًا أو ظرفيًا، بل كان جزءًا من استراتيجية مدروسة لضرب العمق الروحي والاجتماعي للشعب الجزائري. فالزاوية لم تكن مجرد فضاء ديني، بل مؤسسة متكاملة تجمع بين التعليم، والتكافل الاجتماعي، والتنظيم المجتمعي، وحتى التعبئة السياسية والعسكرية في أوقات الأزمات.
الزوايا… قلاع مقاومة وهوية
منذ بدايات الاحتلال، أدركت الإدارة الاستعمارية أن الزوايا تمثل عائقًا حقيقيًا أمام مشروعها، لما تتمتع به من استقلالية ونفوذ داخل المجتمع. فقد كانت هذه المؤسسات حاضنة للغة العربية، وملاذًا لحفظ القرآن، ومركزًا لتربية الأجيال على قيم الانتماء والكرامة.
كما لعبت الزوايا دورًا محوريًا في تأطير المقاومات الشعبية، حيث تحولت إلى منصات لتجنيد المجاهدين، وتنسيق الجهود بين القبائل، ما جعلها في نظر الاستعمار “مراكز خطر” يجب تحييدها.
تدمير ممنهج…بين القصف والمصادرة
لم تتردد القوات الاستعمارية في اللجوء إلى القوة العسكرية لتدمير الزوايا التي احتضنت المقاومة. فزاوية الشيخ الحداد في منطقة صدوق ببجاية، على سبيل المثال، دُمّرت بالكامل عقب ثورة 1871، وتم نفي شيوخها إلى كاليدونيا الجديدة، في محاولة لاقتلاع رموزها من جذورها.
كما تعرضت الزوايا الرحمانية في الشرق الجزائري، خاصة في خنشلة وأقبو، لتخريب واسع، بسبب دورها في تعبئة المقاتلين. وفي الغرب، لم تسلم الزوايا القادرية المرتبطة بالأمير عبد القادر من حملات الحرق والتدمير التي قادها الجنرال بيجو.
أما في الجنوب الغربي، فقد استهدفت الزوايا المرتبطة بالشيخ بوعمامة بعد ثورته سنة 1881، حيث دُمّرت فروعها لقطع خطوط الإمداد، في حين تعرضت زوايا أخرى للقصف المباشر لشلّ حركتها.
خنق إداري وتحويل وظيفي
إلى جانب التدمير العسكري، انتهجت فرنسا أساليب أكثر “هدوءًا” لكنها لا تقل خطورة، تمثلت في مصادرة الأوقاف، وتجريد الزوايا من مواردها المالية. فقد تم الاستيلاء على أراضي زاوية سيدي علي مبارك بالقليعة، ومنحها للمستوطنين، ما أدى إلى تراجع دورها الاجتماعي.
كما جُرّدت زاوية سيدي عبد الرحمن الثعالبي في العاصمة من نفوذها التعليمي، وحوصرت عمرانيًا، في حين تم تحويل العديد من الزوايا في مدن مثل الجزائر ووهران إلى ثكنات أو مخازن، في محاولة لطمس وظيفتها الأصلية.
وفي حالات أخرى، لجأت الإدارة الاستعمارية إلى التضييق الإداري، كما حدث مع زاوية الهامل ببوسعادة، التي فُرضت عليها رقابة مشددة، أو زاوية خنقة سيدي ناجي ببسكرة، التي عُزلت ماليًا وبشريًا لإضعاف تأثيرها.
لماذا كانت الزوايا مصدر قلق للاستعمار؟
تكمن خطورة الزوايا، من منظور استعماري، في كونها تمثل سلطة موازية، لا تخضع للإدارة الفرنسية، بل تستمد شرعيتها من المجتمع نفسه. كما أنها حافظت على اللغة العربية في وجه محاولات الفرنسة، وشكّلت شبكة تواصل فعالة بين مختلف مناطق البلاد.
إضافة إلى ذلك، كانت الزوايا تلعب دورًا اجتماعيًا مهمًا، من خلال إطعام الفقراء، وحل النزاعات، ما جعلها عنصر تماسك داخل المجتمع، وهو ما سعت فرنسا إلى تفكيكه لتسهيل السيطرة.
و رغم ما طالها من تدمير وتضييق، لم تختفِ الزوايا من الذاكرة الجزائرية، بل بقيت رمزًا للصمود، ومصدر إلهام في مسار التحرر. فقد ساهمت، بشكل غير مباشر، في تهيئة الأرضية لاندلاع ثورة نوفمبر 1954، من خلال الحفاظ على الهوية، وتغذية روح المقاومة.
و يمكن القول إن استهداف الزوايا لم يكن مجرد هدم لبنايات، بل محاولة لضرب روح أمة بأكملها. غير أن هذه المحاولات، رغم قسوتها، لم تنجح في محو الذاكرة، بل زادت من تجذرها في وجدان الجزائريين، لتبقى الزوايا شاهدًا حيًا على مرحلة من الصراع بين مشروع استعماري وهوية وطنية صلبة.