ما قل ودل

التراث كذاكرة حيّة…أكاديمية الوهراني تفتح نقاشًا علميًا حول الفلكلور والهوية

شارك المقال

في سياق إحياء شهر التراث، واصلت أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي برئاسة البروفيسور سعاد بسناسي تنظيم ندواتها العلمية، مؤكدة مرة أخرى أن التراث ليس مجرد ماضٍ يُستحضر، بل كيان حيّ يتجدّد باستمرار ويواكب تحولات المجتمع. وقد جاءت الندوة الثالثة، المنعقدة يوم 25 أبريل 2026، لتكرّس هذا التوجه من خلال طرح مقاربات أكاديمية عميقة حول الفلكلور ودوره في تشكيل الوعي الثقافي.

الفلكلور…إبداع يتجاوز الزمن

استُهلت الندوة بمداخلة البروفيسور مصطفى عطية جمعة من الجامعة الأمريكية المفتوحة بالكويت، والتي حملت عنوان “الفلكلور والإبداع الشعبي: نماذج من الشعر والحكاية والفنون”. وقدّم من خلالها قراءة تحليلية للفلكلور باعتباره تعبيرًا جماعيًا عن الوجدان الشعبي، لا يقتصر على كونه موروثًا ثابتًا، بل يتجدد عبر الزمن بفعل التفاعل الإبداعي للأفراد والجماعات.

وسلّط الضوء على الفلكلور المصري، مستعرضًا نماذج من الشعر الشعبي والحكايات التراثية والأمثال والفنون التعبيرية، مبرزًا كيف تتشكل هذه الأنماط ضمن سياقات اجتماعية وتاريخية محددة، لتتحول إلى وسائط ناقلة للقيم والمعاني الرمزية بين الأجيال. وهنا يتبدى الفلكلور كأرشيف حيّ، لا يُحفظ في الكتب فقط، بل في الذاكرة اليومية للناس.

الأوراس…حين يتحول الغناء إلى مقاومة

في المداخلة الثانية، تناولت الدكتورة حياة بوسعدة من جامعة محمد خيضر بسكرة موضوع “حضور الأوراس في التراث الشعبي الجزائري: الأغاني الثورية نموذجًا”، حيث أبرزت المكانة الرمزية لمنطقة الأوراس في الذاكرة الوطنية.

وركّزت الباحثة على الأغاني الثورية بوصفها شكلاً من أشكال التعبير الثقافي المقاوم، إذ لم تكن مجرد أعمال فنية، بل وثائق شفوية جسدت معاناة الشعب الجزائري ونضاله خلال الثورة الجزائرية. وأوضحت كيف تحولت هذه الأغاني إلى ذاكرة جمعية تحفظ تضحيات المجاهدين وتنقل روح المقاومة من جيل إلى آخر، في تفاعل فريد بين الفن والتاريخ.

بين التوثيق والتحوّل…أسئلة الحاضر

لم تقتصر الندوة على الطرح النظري، بل شهدت تفاعلًا لافتًا من الحضور، حيث فُتحت نقاشات علمية حول إشكاليات توثيق التراث الشعبي، خاصة في ظل التحولات التي تفرضها العولمة والتكنولوجيا الحديثة. وبرزت تساؤلات جوهرية حول كيفية الحفاظ على أصالة الفلكلور دون تجميده، وكيف يمكن للمؤسسات الأكاديمية أن تلعب دورًا فاعلًا في إعادة قراءته وفق مناهج معاصرة.

و تندرج هذه الندوة ضمن سلسلة لقاءات علمية تسعى أكاديمية الوهراني من خلالها إلى ترسيخ وعي جديد بالتراث، بوصفه حقلًا معرفيًا غنيًا، لا يقتصر على الحفظ والتوثيق، بل يمتد إلى التحليل والتأويل وفهم التحولات الاجتماعية والثقافية. فالمقاربة الحديثة للتراث لم تعد تنظر إليه كمجرد بقايا من الماضي، بل كعنصر فاعل في تشكيل الحاضر وصياغة المستقبل.

كما أكدت الندوة الثالثة لشهر التراث أن الفلكلور ليس مجرد تعبير تقليدي، بل فضاء واسع للإبداع الشعبي، وأن التراث الشفهي يمثل ركيزة أساسية في حفظ الذاكرة الجماعية. كما شددت على ضرورة مقاربته علميًا في ظل التغيرات الراهنة، بما يعزز دوره في بناء الهوية الثقافية وضمان استمراريتها.

و يتضح أن مثل هذه المبادرات العلمية لا تُعيد الاعتبار للتراث فحسب، بل تفتح آفاقًا جديدة لفهم الذات الجماعية، في زمن تتسارع فيه التحولات وتشتد فيه الحاجة إلى جذور ثابتة وهوية واعية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram