لم يكن مشهد القصف الإيراني الأخير لإسرائيل مجرد جولة عسكرية عابرة، بل كان “لحظة الحقيقة” التي عرّت هشاشة البناء الصهيوني. فالدولة التي قُدمت للعالم على أنها القوة التي لا تُقهر، بدأت تتآكل من الداخل تحت وطأة ضربات المقاومة والمواجهات الإقليمية، مما دفع قادتها للعودة إلى المربع الأول: صناعة الكذبة التوراتية.
من راية “بربروس” إلى شمعدان العباسيين
تقوم سردية التأسيس الصهيونية على سرقة الرموز التاريخية للمنطقة ونسبها قسراً للذات. إن “النجمة السداسية” التي تتصدر العلم الإسرائيلي ليست ابتكاراً عبرياً، بل هي رمز إسلامي عثماني بامتياز، كانت تزين علم القائد البحري الفذ خير الدين بربروس، وتنتشر في العمارة الإسلامية كرمز للقوة والسيادة. والأمر ذاته ينطبق على “الشمعدان” الذي أثبتت الدراسات التاريخية وجوده في العهود الإسلامية، وتحديداً في العصر العباسي و السلجوقي بعدها. هذا السطو الرمزي كان هدفه نفخ “أكذوبة” الدولة وتأصيلها في أرض غريبة عنها، محاولين منح أنفسهم مشروعية تاريخية عبر رموز مسروقة من جيرانهم وأعدائهم على حد سواء.
عندما يبحث المستوطن عن وطنه الأصلي
أمام “وطيس الحروب” المشتعل وتطور القدرات الصاروخية التي جعلت العمق الإسرائيلي ساحة مفتوحة، انكسرت أسطورة “الأرض الآمنة”. تشهد تل أبيب اليوم موجة غير مسبوقة من الهجرة العكسية، حيث فضل آلاف المستوطنين العودة إلى بلدانهم الأصلية في أوروبا الشرقية والمغرب الأقصى بحثاً عن الأمان. هذا النزيف البشري وضع الصهيونية أمام معضلة وجودية؛ فالدولة التي قامت على تجميع الشتات، ترى اليوم شتاتها يتبعثر مجدداً، مما يثبت أن الارتباط بالأرض كان “مصلحياً” وليس عقائدياً كما يروجون، وبمجرد اهتزاز القبضة الأمنية، حزمت الحقائب رحيلها.

خلق أكذوبة أسباط موسى و أحفاد بلقيس
لتغطية هذا الفراغ السكاني، عاد الاحتلال لاستخدام سلاحه القديم المتجدد: التزوير التوراتي. فبعد كذبة “يهود الفلاشا” وربطهم بزواج الملكة بلقيس بنبي الله سليمان لإضفاء صبغة قدسية على تهجيرهم، يطل علينا الصهاينة اليوم بفرقة من “الهنود” يُزعم أنهم من أسباط موسى الاثني عشر الضائعة. حيث يتم استقبال هؤلاء “المهجرين الجدد” في مطار بن غوريون كفاتحين، في محاولة يائسة لضخ دماء جديدة في جسد الدولة المنهك. إن الاستنجاد بهذه الخرافات عند كل أزمة عسكرية أو سياسية، يؤكد أن الصهيونية لا تملك جذوراً حقيقية في فلسطين، بل تعتمد على “عمليات تجميل” تاريخية وديموغرافية لضمان بقائها في أرض ترفض انتماءهم يوماً بعد يوم.
إن اللجوء للأساطير التوراتية في أوقات الانكسار العسكري ليس علامة قوة، بل هو إقرار ضمني بأن “الأكذوبة” التي نُفخت عبر سرقة رموز التاريخ الإسلامي والعثماني، قد بدأت تنفجر من الداخل، وأن الهجرة العكسية هي الحقيقة الوحيدة التي تعلو فوق زيف الشعارات الصهيونية.