ليست الهوية صفحةً بيضاء تُكتب دفعة واحدة، بل هي مخطوطٌ متعدد الطبقات، تتراكب فيه الأزمنة مثل طبقات الجص فوق جدار قديم. والاقتباس المتداول عن أحد المفكرين الإسبان، الذي يتحدث عن “الجص” الذي يخفي نقوشًا عربية، و“الجلد” الذي يخفي جذورًا شرقية، ليس مجرد صورة بلاغية، بل مفتاحٌ لفهم عميق لمسألة الهوية المركّبة، سواء في إسبانيا ما بعد الأندلس أو في الجزائر اليوم.
الأندلس…حين تتوارى الذاكرة ولا تختفي
شهدت شبه الجزيرة الإيبيرية خلال حكم المسلمين ما يُعرف بـالأندلس الإسلامية، وهي فترة لم تكن مجرد سيطرة سياسية، بل لحظة حضارية كثيفة أثّرت في العمارة واللغة والعلوم وأنماط العيش. بعد سقوطها، سعت إسبانيا الكاثوليكية إلى إعادة تشكيل هويتها عبر محو أو تهميش هذا الإرث، لكن الذاكرة الثقافية لا تُمحى بسهولة.
يكفي أن نتأمل روائع مثل قصر الحمراء، حيث تتجاور الزخارف العربية مع التعديلات المسيحية اللاحقة، لنفهم أن “الجص” الذي يغطي الجدران ليس إلا طبقة زمنية، بينما تبقى النقوش الأصلية شاهدة على عمق التداخل الحضاري. هكذا، فإن الهوية الإسبانية الحديثة تحمل في داخلها أثراً أندلسيًا لا يمكن إنكاره، حتى وإن حاولت السرديات الرسمية تجاوزه.
الجزائر…هوية لا تختبئ بل تتصالح
إذا كانت التجربة الإسبانية قد عرفت صراعًا مع ماضيها، فإن الجزائر تقدّم نموذجًا مختلفًا، حيث لا يُنظر إلى التعدد كعبء، بل كرصيد. فمنذ العصور القديمة، عرفت المنطقة تداخلاً حضاريًا متواصلاً: من الأمازيغ السكان الأصليين، إلى التأثيرات الفينيقية التي تجسدت في قرطاج، وصولاً إلى الفتح الإسلامي الذي أدخل اللغة العربية والثقافة الإسلامية في نسيج المجتمع, انتهاءا باحتضان أحرار الجزائر للأندلسيين الفارين بدينهم من محاكم اتفتيش حبث ذابوا هم أيضا في بوثقة اسمها الجزائر.
هذا التراكم لم يُنتج هوية متناقضة، بل هوية مركّبة ومنسجمة. فالجزائري، في عمقه، لا يحتاج إلى “نزع الجص” ليكتشف ذاته، لأن مكوناته حاضرة في حياته اليومية: في اللغة، في العادات، في الموسيقى، وفي الذاكرة الجماعية.
فلسفة “أخذ من كل بستان زهرة”
الطرح الذي يربط الهوية الجزائرية بتعدديتها ليس مجرد خطاب عاطفي، بل رؤية سياسية وثقافية. فالوطن الذي يعترف بتنوعه، يملك قدرة أكبر على بناء وحدة صلبة. وهنا يمكن استحضار رمزية الأغنية الشعبية التي تقول: “إذا سولت على أصلي سل ناس كبار”، للفنان رابح درياسة، حيث تتحول الذاكرة الجماعية إلى مرجع أعلى من أي تصنيف ضيق.
إن فكرة “لا فرق بين جزائري من جنوبه إلى شماله و من شرقه إلى غربه” ليست شعارًا، بل نتيجة منطقية لتاريخ مشترك، حيث تذوب الفوارق داخل مشروع وطني واحد.
الهوية كحاضر و مستقبل لا كماضٍ فقط
أحد أهم الأخطاء في تناول مسألة الهوية هو حصرها في الماضي. الهوية ليست ما ورثناه فقط، بل ما نُعيد إنتاجه يوميًا. في هذا السياق، تصبح الجزائر مثالاً على إمكانية تحويل التنوع إلى قوة، بدل أن يكون مصدر انقسام.
فكما أن الأندلس ما زالت حاضرة في إسبانيا رغم محاولات الطمس، فإن مكونات الهوية الجزائرية ليست مجرد طبقات تاريخية، بل عناصر فاعلة في تشكيل الحاضر والمستقبل.
فبين “الجص” الذي يخفي النقوش، و“الجلد” الذي يخفي الأصول، تتجلى حقيقة واحدة فالهوية لا تُختزل في مظهرها الخارجي. وإذا كانت بعض الأمم لا تزال تبحث تحت السطح عن جذورها، فإن الجزائر تملك فرصة نادرة أن تعيش هويتها بكل طبقاتها دون إنكار، وأن تجعل من هذا التعدد أساسًا لوحدة واعية وصلبة.
فليست القوة في نقاء الهوية، بل في قدرتها على احتضان الاختلاف وصياغته في مشروع مشترك, و كلنا في ذلك نذعن لقول الحق سبحانه “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” سورة الحجرات الآية 13…و امتثالا لحديث نبي الرحمة عليه ألف صلاة و ألف سلام ” كلكم من آدم و آدم من تراب”.