ما قل ودل

نشأ في وهران و طار إلى العالمية…”فن الراي” من صوت الهامش إلى ذاكرة وطن

شارك المقال

في زمنٍ تتسابق فيه الشعوب نحو تثبيت هويتها الثقافية في المحافل الدولية، يبقى التراث أكثر من مجرد أهازيج وألوان فولكلورية؛ إنه ذاكرة جماعية تختزل التاريخ، الألم، والمقاومة. ومن بين هذه الكنوز، يبرز فن الراي كأحد أبرز التعبيرات الفنية التي نشأت في الجزائر، حاملاً في طياته سردية شعب كافح من أجل الحرية ورفض النسيان.

 جذور الراي في الغرب الجزائري

نشأ الراي في مدن الغرب الجزائري، خاصة وهران وسيدي بلعباس، حيث تلاقحت الثقافات الشعبية مع الشعر الملحون، ليولد فن يعكس نبض الشارع وهموم الناس. لم يكن فناً نخبوياً، بل كان صوت البسطاء والمهمشين.

لم يكن الراي يوماً مجرد موسيقى للترفيه أو الرقص، بل كان صوتاً شعبياً صادقاً، وُلد من رحم المعاناة، وتشكّل عبر أجيال من الشيوخ الذين استخدموا الكلمة المبطنة واللحن البسيط لنقل رسائل عميقة، خاصة خلال فترة الاستعمار الفرنسي.

الكلمة المبطنة في زمن الاستعمار

برزت أسماء رائدة مثل الشيخة الريميتي، التي مثّلت صوت الجرأة والتمرد، إلى جانب شيوخ آخرين نقلوا معاناة المجتمع في قالب فني بسيط لكنه عميق الدلالة.

لقد لعب الراي دوراً محورياً في تعزيز الحس الوطني خلال الحقبة الاستعمارية، حيث حملت كلماته رسائل مقاومة مشفرة، تدعو إلى التحرر وتغذي روح النضال، في انسجام مع فكر رموز المقاومة وعلى رأسهم الأمير عبد القادر.

مع تطور الزمن، انتقل الراي من المحلية إلى العالمية، بفضل فنانين مثل الشاب خالد والشاب حسني و الشاب بلال، الذين حملوا هذا الفن إلى المسارح الدولية دون أن يفقد روحه الأصيلة.

عكست بعض الأغاني مآسي النفي القسري نحو مناطق بعيدة مثل كاليدونيا الجديدة، حيث عانى الجزائريون من الغربة والظلم، فكانت الأغنية وسيلة للبقاء والتعبير عن الحنين.

قصائد مثل “الطيارة الصفرا” و”الواد الشولي” تحولت إلى سجل شعبي يوثق البطولات والتضحيات، ويستحضر مشاهد القصف والمعارك التي خاضها الجزائريون دفاعاً عن أرضهم.

 حين يلتقي الحب بالوطن

لم يغفل الراي الجانب العاطفي، حيث تغنى شعراء مثل مصطفى بن براهيم والشيخ حمادة بالحب والغزل، لكن حتى هذه المواضيع كانت مشبعة بروح الانتماء الوطني.

في ظل النقاشات الدولية حول نسب هذا الفن، تبرز أهمية التمسك بالحقائق التاريخية المدعمة بالأدلة، خاصة في الهيئات الثقافية العالمية مثل اليونسكو.

إن الدفاع عن الراي لا يعني إقصاء الآخرين، بل هو حفاظ على الأمانة التاريخية، واحترام لذاكرة شعب صنع من الفن وسيلة للمقاومة والبقاء.

في النهاية، يبقى فن الراي أكثر من مجرد تراث؛ إنه شهادة حية على أن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها، تخلد نضالها في أغانيها، وتورثه للأجيال القادمة… لا ليُسرق، بل ليبقى.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram