
أعادت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي استخدم فيها مصطلحات ذات أصل عربي في سياق سياسي داخلي، تسليط الضوء على مدى تغلغل “العربية” في العامية الفرنسية المعاصرة.
في خضم السجالات السياسية الفرنسية المحتدمة، غالباً ما تبرز كلمات تبدو للوهلة الأولى “فرنسية بامتياز”، لكن التدقيق في جذورها يفتح نافذة واسعة على الضفة الجنوبية للمتوسط.
استخدام الرئيس ماكرون لمصطلحات شعبية مثل مهابيل لوصف معارضيه أو في سياقات تهكمية، ليس مجرد زلة لسان، بل هو انعكاس لواقع لغوي جعل من العربية الرافد الثالث للغة الفرنسية بعد اللاتينية والإنجليزية.
كلمة “Maboul” التي استخدمت في سياق انتقاد المعارضين، هي اشتقاق مباشر من الكلمة العربية “مهبول” – أي فاقد العقل أو الأخرق-، دخلت هذه الكلمة القاموس الفرنسي إبان فترة الاستعمار في شمال أفريقيا، واستقرت في اللغة العامية لتصبح تعبيراً دارجاً لا يجد الفرنسي حرجاً في استخدامه للتعبير عن الدهشة أو السخرية من سلوك غير منطقي.
واصبحت الجزائر المصدر الأساسي لـ “الفرنسية الشعبية”، بعدما ارتبطت الهجرة وحركات التنقل بين الجزائر وفرنسا بنشوء لغة هجينة في الأحياء الشعبية والضواحي، انتقلت لاحقاً إلى النخبة السياسية والإعلامية.
لم يعد الأمر مقتصرًا على الكلمات، بل أصبح أسلوب حياة لغوي, هناك أبرز الكلمات العربية المدمجة في الفرنسية
C’est la “Mouise”: تعني الفقر المدقع، وأصلها من “الموسى” (كناية عن الحلاقة أو القحط)
Kiffer: الكلمة الأكثر تداولاً بين الشباب الفرنسي حالياً وتعني “الاستمتاع”، وهي مشتقة من كلمة “كيف” العربية.
Toubib: الكلمة العامية الرسمية في فرنسا لوصف الطبيب، وهي مشتقة حرفياً من “طبيب”.
Chouïa: تستخدم للإشارة إلى المقدار القليل، وهي مشتقة من “شوية”.
Barda: تعني الأمتعة أو الأغراض الكثيرة، وأصلها من كلمة “برذعة”.
عندما يستخدم مسؤول فرنسي بمستوى رئيس الدولة كلمات مثل “Maboul” أو “Caïd” (قائد/زعيم عصابة، فهو يحاول “شعبنة” الخطاب السياسي للتقرب من فئات معينة، أو ربما يعكس لا شعورياً مدى ذوبان المصطلحات المغاربية في النسيج الثقافي الفرنسي اليومي).
الارتباط هنا بالجزائر ليس تاريخياً فحسب، بل هو ارتباط عضوي؛ فالمجتمع الفرنسي اليوم يضم ملايين الأشخاص الذين تشكل العربية جزءاً من موروثهم، مما جعل كلمات مثل “Mektoub” (مكتوب/قدر) و*”Mesquin”* (مسكين) كلمات يفهمها الفرنسي “الأصيل” في باريس أو ليون دون الحاجة لمترجم.
تشير الدراسات اللغوية إلى أن اللغة الفرنسية تحتوي على أكثر من 500 كلمة من أصل عربي. بدأت هذه الرحلة منذ العصور الوسطى عبر التجارة والعلوم مثل: Almanach من المناخ، Algèbre من الجبر، وصولاً إلى الموجات الحديثة التي فرضتها السينما، أغاني الراي، والأدب الفرانكوفوني.
لذا فإن استخدام مصطلحات مثل “مهابيل” في السياسة الفرنسية هو اعتراف ضمني، وإن كان في سياق هجومي أحياناً، بأن الهوية اللغوية لفرنسا المعاصرة تأثرت بشكل مباشر بالعمق العربي والإفريقي، لتظل العربية “الضيف الدائم” الذي استوطن لغة موليير ولم يغادرها.