ما قل ودل

كانوا هنا للقاص بوعرفة عبد القادر…حين يمتزج الأدب بالفلسفة تكون المتعة والروعة

شارك المقال

بقلم:أ.د حمزة الزاوي

أمّا قبل, ضمن متون هاته القصص، يقدم الكاتب على خوض غِمار تصوير المعاناة، الّتي تُتوِّج إحساسَه في قول الحقيقة، والكشفِ عن مكامن النّفس البشرية الشّريدةِ، وهي تبحثُ عن نفسها، وتموضعها في هذا العالمِ المُنغلِق على نفسه.

وبخلفية الباحث والفيلسوف يُركِّزُ الفنّانُ في هذه المجموعة القصصية على تصوير الوقائع الواحدة تلو الأخرى بصورٍ رمزيةٍ، تُصوِّر مختلفَ أنماط العجز البشري أمام واقع مهزوم، فترى المشنوق، والمشلول، والمبتور إلى جانب المذبوح، والمخدوع، والمغدور، لتصل إلى المطعون والملدوغِ؛ ثمَّ الهاربةَ، والمجنونةَ، والمَرجُومةَ، والدَّلَّالةَ، والمسمومة،…. هي حالات إنسانيةٌ تُحيل إلى عالم هو عالمنُا الّذي نعيش فيه.

كان على الّلغة أن توفرَ الكلمات، أن تثبِّت المعانيَ الخاصة، الّتي تُعانقُ المأساة الإنسانيةَ، الّتي تَحكي الإنسان في كل أوضاعه المأساوية، وهو يصارع ضدَّ الفقر، والجوع، والجهل، والتهميش والحُقْرة، بكلِّ معانيها وحمولاتها.

إنَّه عالَمُ “التّائهون هنا والذّاهبون إلى هناك..” الذين يبحثون عن معاني الحياة، عن إنسانية الإنسان وفي ذلك تنطق تلك الكلمات وهي تحملُ أثقالها، وتبوحُ بجوهر دلالاتها. يغوصُ بها المبدِعُ في كُنهِ أعماق الواقع اليومي بكلِّ معانيه، وبكلِّ ثِقَلِه وحمولاتِه النّفسية، والاجتماعية، الّتي كان الفنانُ يبحث عنها في مجالات وأقطاب أخرى، ليجدَها وهي تنطق بواقع الحياة التي نحتضنها، ونعايشها.

عَبر هذه الكلمات تسمعُ نداء الأقاصيص، الّتي يبوح بها الكاتب، وهو يُلَملِمُ صُراخَ الإنسان وهو يعيش حالات عذاباته، ومعاناته اليومية الّتي تُعانق المجهول، الّذي لا يَكُف عن تقديم فنّ القول، لعلّ في ذلك خلاص وانعتاق من المعاناة التي تُدمي القلب.. إنّه ما عالم يجب معرفته، والاقتراب منه، لعلّ في ذلك کَشْفُ المستورِ، الّذي يحجبُ ضوء الشّمس عن أناس كانوا هنا .. وصاروا هناك …. وبين هنا وهناك تبدأ حكاية إنسان تاه فيما بين هنا وهناك….

يضعنا القاص بوعرفة عبد القادر في قلب الأحداث مستندًا إلى جوهر ومعنى الكلمات المفتاحية التي تحتوي على مداخل ومخارج ومنعطفات، وقبل ذلك على عتبات النصوص المعلقة، وهي طريقة جديدة في تناول فن القص الذي يعلن المبدع عن بداياته الأولى.

بعد كل هذا فإنّ الوقوف عند مفاتيح الحياة الإنسانية الشاسعة والمتداخلة، عبر محطاتها الواقعية والفنّية بحمولاتها لزخم الأيّام، وهي تتداول بين الناس فإن هذا فعلًا ما تدعونا إليه هذه المأدبة القصصية.

وفي الأخير؛ كل مشاعر المحبة والتّقدير للمبدع على كشفه الإبداعي أسلوبًا ومضمونًا، عبر تلك الكلمات المفتاحية، فكل كلمة كانت تحمل قصةً لترويها لنا لأناس كانوا هنا……

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram