يشكّل موضوع الهوية أحد أبرز الانشغالات الفكرية في الأدب العربي الحديث، حيث لم يعد النص الشعري مجرد تعبير جمالي، بل أصبح فضاءً لطرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالذات والانتماء والتحولات الاجتماعية. وفي هذا السياق، يندرج العمل الموسوم بـ“تمثلات الهوية وبناء الذات في الشعر العربي المعاصر” للأديبة البروفيسور سعاد بسناسي عضو المجلس الأعلى للغة العربية و رئيسة أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية و التفاعل الثقافي كمساهمة نقدية تسعى إلى استكشاف أبعاد هذه الإشكالية، وفتح آفاق جديدة في دراسة الشعر العربي الحديث.
الهوية في الشعر المعاصر…من الثابت إلى المتحوّل
لم تعد الهوية في الشعر العربي المعاصر مفهومًا جامدًا أو ثابتًا، بل تحوّلت إلى كيان ديناميكي يتفاعل مع السياقات التاريخية والثقافية. فالشاعر اليوم لا يكتفي باستحضار موروثه، بل يعيد تشكيله وفق رؤى جديدة تعكس التوتر بين الأصالة والمعاصرة، وبين المحلي والعالمي.
ومن هنا، تأتي أهمية هذا العمل في تفكيك تمثلات الهوية داخل النص الشعري، ورصد كيفية تشكّلها عبر اللغة والصورة والرمز.
يبرز مفهوم “بناء الذات” كأحد المحاور الأساسية في هذا الطرح، حيث يُنظر إلى الذات الشاعرة بوصفها كيانًا يتشكل من خلال التفاعل مع الآخر، ومع السياق الاجتماعي والثقافي.
فالنص الشعري لا ينفصل عن تجربة صاحبه، لكنه في الوقت ذاته يتجاوزها ليعبّر عن قضايا أوسع تمسّ الجماعة. وهنا تتجلى جدلية العلاقة بين الفردي والجماعي، حيث يصبح الشعر مرآة تعكس هموم الذات وأسئلة المجتمع في آن واحد.
النقد الأدبي كأداة لفهم التحولات
يسعى هذا العمل إلى توظيف أدوات النقد الأدبي في تحليل النصوص الشعرية، من خلال مقاربات حديثة تدمج بين البعد الجمالي والبعد الفكري.
فالنقد هنا لا يكتفي بوصف النص، بل يعمل على مساءلته، وكشف بنياته العميقة، وإبراز دلالاته المتعددة، بما يتيح قراءة أكثر عمقًا للشعر العربي المعاصر.
آفاق جديدة للبحث في الشعر العربي
تكمن قيمة هذا العمل في كونه لا يقتصر على تحليل نماذج شعرية، بل يفتح أفقًا نظريًا يمكن أن يُبنى عليه في دراسات لاحقة. فهو يدعو إلى إعادة التفكير في مفاهيم الهوية والذات، بعيدًا عن القراءات التقليدية، وبما يتناسب مع التحولات التي يشهدها العالم العربي اليوم.
و بالتالي فإن إصدار “تمثلات الهوية وبناء الذات في الشعر العربي المعاصر” يمثل إضافة نوعية إلى حقل الدراسات النقدية، حيث يقدّم قراءة عميقة للنص الشعري بوصفه فضاءً تتقاطع فيه التجربة الفردية مع الوعي الجمعي. وبين اللغة والرمز، وبين الذات والآخر، يظل الشعر العربي المعاصر مجالًا خصبًا لاستكشاف أسئلة الهوية في زمن التحولات.