
في عالم الدبلوماسية الرياضية، تُعتبر المصافحات بروتوكولاً تقليدياً يعكس “الروح الرياضية”، لكن في تايلاند، وخلال اجتماع الجمعية العمومية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، تحولت بضع ثوانٍ إلى بيان سياسي وأخلاقي عابر للقارات. برفض الرجوب رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم مصافحة نائب رئيس اتحاد كرة القدم لذلك الكيان، لم يكسر الفريق جبريل الرجوب، قواعد الإتيكيت، بل أعاد رسم الخطوط الفاصلة بين “الرياضة” و”تبييض الجرائم”.
لطالما روجت المؤسسات الدولية لشعار “فصل السياسة عن الرياضة”، لكن الواقع يثبت أن الرياضة هي إحدى أقوى منصات التعبير السياسي.
رفض المصافحة لم يكن موقفاً شخصياً، بل كان تجسيداً لصوت آلاف الرياضيين الفلسطينيين الذين استُشهدوا، والمنشآت التي دُمرت، والأندية التي تحولت إلى ركام تحت آلة الحرب.
”كيف يمكن لمصافحة أن تتم، واليد المقابلة تمثل منظومة تشرعن الاستيطان وتصمت عن استهداف الملاعب واللاعبين؟”
إن امتناع الرجوب عن المصافحة يحمل رسائل احترافية وسياسية عميقة, منها نزع الشرعية، فالمصافحة في المحافل الدولية تعني القبول بالآخر كـ “نظير” يلتزم بالقيم الإنسانية., ففي ظل اتهامات جرائم الحرب، تصبح المصافحة صك غفران يرفض الشارع الفلسطيني والعربي منحه.
بينما سارع الفيفا والاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات صارمة على روسيا في غضون أيام، لا يزال الملف الفلسطيني يراوح مكانه منذ سنوات. الرفض هنا هو احتجاج صامت على الكيل بمكيالين.
ويعد الرفض رسالة أخلاقية وضع المسؤولين الدوليين أمام مسؤولياتهم؛ فمن غير المنطقي الجلوس على طاولة واحدة لمناقشة “تطوير اللعبة” في وقت يُحرم فيه اللاعب الفلسطيني من أبسط حقوق التنقل والممارسة.
مابين القانون والميدان
طالب الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم مراراً بفرض عقوبات على الأندية الإسرائيلية التي تنشط في المستوطنات غير القانونية، وهو ما تتهرب منه اللجان القانونية في الفيفا تحت ضغوط سياسية كبرى. لذا، تأتي “لا” الرجوب لتكون المحرك الشعبي والقومي لهذا الملف القانوني، مؤكدة أن “التطبيع الرياضي” مرفوض ما دام الاحتلال قائماً.
إن تحول المشهد من لقطة دبلوماسية روتينية إلى رسالة تهز القاعة يعكس حقيقة واحدة الرياضة لا يمكن أن تكون جسراً للسلام ما لم يتوفر العدل أولاً، رفض مصافحة من يمثلون منظومة متهمة بارتكاب جرائم حرب ليس خروجاً عن الروح الرياضية، بل هو صميم الروح الإنسانية التي ترفض مساواة الضحية بالجلاد تحت أضواء الكاميرات.
يبقى السؤال الأهم: هل تتحرك “الفيفا” لإنصاف الكرة الفلسطينية، أم ستكتفي بمراقبة المشاهد الدبلوماسية المتوترة في قاعاتها؟