بعد ما يقارب قرنين ونصف من الاحتلال الإسباني، وما خلّفه زلزال مدمر في أكتوبر 1790، كانت وهران مدينةً منكوبة، أشبه بأطلال مدينة فقدت روحها. غير أن التاريخ سجّل لحظة استثنائية، حين ظهر رجل استطاع في ظرف وجيز أن يقلب المعادلة، ويعيد للمدينة مجدها ومكانتها. ذلك الرجل هو محمد بن عثمان الكبير، الذي لم يكن مجرد حاكم، بل مهندس نهضة شاملة.
إعادة بناء مدينة… واستعادة هوية
مع استرجاع وهران، بادر محمد بن عثمان الكبير إلى نقل مقر الحكم من معسكر إلى وهران، في خطوة رمزية وسياسية تؤكد رغبته في إعادة الاعتبار لوهران كعاصمة للغرب الجزائري.
ولم يقتصر مشروعه على إعادة إعمار ما تهدّم، بل شمل إعادة تشكيل هوية المدينة، عبر بعث طابعها الحضاري الإسلامي.
فقد شيّد مسجد الباشا سنة 1796، والذي أصبح من أبرز معالم المدينة، إلى جانب مدرسة علمية جذبت العلماء من مختلف مناطق المغرب العربي. كما أعاد تهيئة القصور والحصون، مثل روسالكازار (القصر الجديد)، وعزز التحصينات العسكرية في مواقع استراتيجية كقلعة سانتا كروز ومرسى الكبير.
نهضة اقتصادية وعمرانية متكاملة
لم يكن مشروع “الباي الكبير” عمرانيًا فقط، بل كان اقتصاديًا واجتماعيًا بامتياز. فقد أعاد تأهيل شبكات المياه عبر ترميم القنوات والسقايات، وأنشأ الحمامات والخانات (الفنادق التجارية) لاستقبال القوافل، ما أعاد الحيوية إلى النشاط التجاري.
كما عمل على إحياء مطاحن رأس العين، وتنظيم الأسواق، وتحويل المدينة إلى مركز اقتصادي نشط يربط بين الداخل الصحراوي والساحل.
أما ميناء مرسى الكبير، فقد شهد بدوره تطويرًا ملحوظًا، من خلال بناء مخازن وصوامع، ليصبح منفذًا رئيسيًا لتصدير خيرات الغرب الجزائري.
هندسة اجتماعية لضمان الاستقرار
أدرك محمد بن عثمان الكبير أن استقرار المدينة لا يتحقق بالبناء فقط، بل بإعادة تشكيل نسيجها الاجتماعي.
فشجع عودة العائلات الجزائرية من مدن مثل تلمسان، مستغانم، مازونة ومليانة، كما سمح بعودة بعض العائلات اليهودية التي لعبت دورًا مهمًا في التجارة.
وفي خطوة استراتيجية، منح أراضي خصبة في سهول سيق وحبّرة ومسرغين لقبائل “الدواير” و”الزمّالة”، ضمن نظام الإقطاع (الإقطاع العسكري)، مقابل التزامها بتوفير قوة فرسان لحماية المدينة.
هذا “الجدار البشري” شكّل خط دفاع متقدم، وساهم في ترسيخ الأمن والاستقرار.
رغم صورته كبانٍ ومصلح، لم يكن محمد بن عثمان الكبير بعيدًا عن منطق القوة. فقد عرف بحزمه في فرض النظام وجباية الضرائب، ولجأ إلى حملات عسكرية ضد القبائل المتمردة، في سياق نظام سياسي كان يعتمد على الردع لضمان الاستقرار.
إرث خالد… ونهاية مضطربة
بعد وفاته سنة 1799، دخل بايلك الغرب مرحلة من الاضطرابات، حيث فشل خلفاؤه في الحفاظ على نفس الزخم، وتفاقمت الصراعات الداخلية.
ورغم بقاء أسوار المدينة شامخة، إلا أن ضعف الحكم جعلها عرضة للتدخلات الخارجية، إلى أن سقطت لاحقًا في يد الاحتلال الفرنسي سنة 1831.
لم يكن محمد بن عثمان الكبير مجرد حاكم عابر في تاريخ الجزائر، بل كان رجل دولة أعاد بناء مدينة وهوية في زمن قياسي. وبين العمارة والاقتصاد والسياسة، ترك بصمة لا تزال حاضرة في معالم وهران، شاهدة على مرحلة من الإشعاع الحضاري الذي صنعه رجل استثنائي في زمن استثنائي.