لطالما سُمي أعضاء الأكاديمية الفرنسية بـ “الخالدين”، لكن يبدو أن طريق الخلود في “الكي دورسيه” بات يمر عبر بوابات لا علاقة لها بجودة الحرف أو عبقرية الخيال، بل بمدى الاستجابة لأجندات تتجاوز حدود الأدب لتستقر في دهاليز السياسة الأكثر إثارة للجدل.
بوعلام صنصال يدخل من الباب الذي استعصى على زولا
التاريخ لا يكذب، وسجلات الأكاديمية الفرنسية تشهد على مراهقة فكرية مدمنة على إقصاء العمالقة. فالمؤسسة التي تدعي حماية اللغة والآداب، تركت إميل زولا يطرق بابها 25 مرة دون جدوى، وأدارت ظهرها لـ ستاندال وموباسان وديدرو، وتجاهلت صرخات بودلير وجماليات بلزاك وذاكرة بروستر. حتى فيكتور هوغو، الذي يعد اليوم رمزاً لفرنسا، لم يُسمح له بالدخول إلا بعد ثلاث محاولات فاشلة وكأنه تلميذ يترجى شهادة حسن سير وسلوك.
هذه الأسماء التي لم تدخل الأكاديمية هي التي صنعت مجد الأدب الفرنسي، بينما غاب معظم من “خُلدوا” داخل القبة في طيات النسيان.
في المقابل، وفي 29 جانفي 2026، فاجأت الأكاديمية العالم بانتخاب العميل بوعلام صنصال من الدور الأول وبأغلبية ساحقة: 25 صوتاً من أصل 26. هذا الصعود الصاروخي يطرح تساؤلات مشروعة؛ كيف يفتح “بيت الخالدين” أبوابه الموصدة تاريخياً أمام صنصال بهذه السهولة، بينما استعصى على زولا وهو في ذروة مجده؟
الإجابة، كما يرى الكثير من المراقبين، لا تحتاج إلى قاموس “لاروس” لفك شفراتها. فصنصال، الذي عُرف بمواقفه الصدامية مع هويته الأصلية وزياراته المثيرة للجدل للكيان الصهيوني تحت ذريعة “الأدب فوق السياسة”، يبدو وكأنه نال “جائزة الترضية” الكبرى.
فرنسا تكافئ من يستبدل الإنتماء بالارتقاء
حين يتم انتخاب كاتب بـ “إجماع” يكاد يكون مطلقاً في مؤسسة عريقة كالأكاديمية الفرنسية، فإن “التشجيع” و”الرعاية” لا يأتيان من فراغ. هل تحولت الأكاديمية إلى فرع لتمرير رسائل سياسية معينة؟ وهل أصبح المعيار اليوم هو مدى انخراط الكاتب في خطوط فكرية ترضي دوائر النفوذ التي يصفها البعض بـ “الأذرع الصهيونية” داخل النخبة الفرنسية؟
إن انتخاب صنصال بهذه الطريقة لا يُعد تكريماً للأدب الفرنكفوني بقدر ما يبدو “تزكية” لخط سياسي معين، يضع الكاتب في مواجهة مباشرة مع ضميره القومي وشعبه الذي تبرأ منه، ويجعل من لقب “خالد” مجرد بطاقة عضوية في نادي الامتيازات السياسية.
فإذا كان زولا قد خسر الكرسي وربح الخلود في ذاكرة الشعوب، فإن بوعلام صنصال قد ربح الكرسي، لكنه وضع إرثه الأدبي في مهب التساؤلات الأخلاقية. التاريخ يذكر النصوص، لكنه يذكر أيضاً المواقف.. فهل ستغفر الذاكرة الحضارية لمن استبدل الانتماء بالارتقاء؟