ما قل ودل

من الصحافة الصفراء إلى صحافة الوسائط….أو عندما يصبح الهاتف بديلا لبطاقة صحفي

شارك المقال

في خضم التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الإعلامي، لم تعد أزمة الصحافة مقتصرة على تراجع المقروئية في الصحافة الورقية، بل تجاوزت ذلك إلى أزمة هوية ومعايير. فبين زمن “الصحافة الصفراء” التقليدية وزمن “صحافة الوسائط”، تغيّر شكل الدخلاء، لكن الخطر بقي ذاته و هو تفريغ المهنة من مضمونها وتحويلها إلى أداة للربح السريع على حساب الحقيقة.

من “الورق الأصفر” إلى “الشاشة الزرقاء”

في الماضي، كان الدخلاء يتسللون إلى عالم الصحافة عبر بوابة الجرائد الصفراء، مستغلين ضعف الرقابة وتضخم سوق الإشهار، حيث تحولت بعض المنابر إلى أدوات ترويج لشركات مشبوهة، مقابل التضحية بالمصداقية ونشر الإثارة والفضائح.

أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذرياً. لم يعد الأمر يحتاج إلى مطبعة أو هيئة تحرير، بل يكفي هاتف ذكي وحساب على منصة رقمية ليصبح صاحبه “صحفياً”. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ تحولت الصحافة من مهنة قائمة على التكوين والتحرير والتحقق إلى ممارسة مفتوحة بلا ضوابط، تُدار أحياناً بمنطق “الترند” لا بمنطق الخبر, حتى استقوى متسربو التعليم الابتدائي و باتوا يقدمون أنفسهم على أنهم معارضين بدرجة بروفيسور في الصحافة الاستقصائية, الأمر الذي عزز جهلهم في طمع أجهزة استخباراتية أجنبية لضرب استقرار بلد على حساب آخر بالإستثمار في رصيد الجهل لدى هؤلاء.

انهيار المعايير المهنية

ما يثير القلق أكثر هو تراجع قيمة التكوين الأكاديمي في الإعلام، حيث أصبح خريجو المعاهد المتخصصة، الذين درسوا نظريات الاتصال مثل أعمال Harold Lasswell أو تسلسل الحاجات عند Abraham Maslow، في موقع التهميش، مقابل صعود أسماء لا تمتلك الحد الأدنى من أدوات المهنة.

المفارقة أن بعض المؤسسات الإعلامية نفسها ساهمت في هذا الانحراف، حين منحت صفة “صحفي” لأشخاص دون تكوين، بينما يدير هذه المنصات في الخفاء أصحاب مصالح اقتصادية، لا يرون في الإعلام سوى وسيلة للنفوذ أو الربح.

واجهات إعلامية تدار بعقول بسناسية

الأزمة لا تتوقف عند هذا الحد المؤسف، بل تمتد إلى بنية المؤسسات الإعلامية نفسها. فكثير من الوسائل تُدار من قبل مسيرين لا علاقة لهم بالإعلام، يختبئون خلف أسماء خريجي الجامعات، تماماً كما يفعل بعض رؤساء الأندية الذين لا يفقهون في الرياضة، لكنهم يتحكمون في قراراتها.

في هذا السياق، يصبح الصحفي الحقيقي مجرد واجهة، بينما القرار الإعلامي يُصنع خارج غرفة التحرير، وفق حسابات الإشهار والمصالح، لا وفق أخلاقيات المهنة.

بين ما يجب أن يكون و ما هو الآن

رغم صدور قوانين جديدة لتنظيم القطاع، إلا أن الإشكال الحقيقي يبقى في التطبيق. فالدخلاء لا يظهرون دائماً في الواجهة، بل يتغلغلون داخل المنظومة، مستفيدين من الثغرات القانونية ومن غياب ثقافة مهنية صارمة.

إن إصلاح الصحافة لا يمر فقط عبر النصوص، بل عبر إعادة الاعتبار للتكوين، وتحديد واضح لصفة الصحفي، وربطها بالكفاءة لا بالوسيلة التي ينشر عبرها, فإذا جعل الصحفي في مكانه الحقيقي يضطر الدخيل إلى الذوبان, مما سينجر عن ذلك حتما رقّي في مستوى التغطيات الصحفية, و إعطاء أحسن صورة لرجل الإعلام في مضامير الرياضة و أيضا في جميع الميادين.

فما يحدث اليوم ليس مجرد فوضى عابرة، بل هو صراع حقيقي على روح الصحافة. بين من يعتبرها رسالة ومسؤولية، ومن يراها فرصة للظهور أو الربح.

وفي الوقت الذي احتفل العالم يوم أمس فيه بالصحفيين الحقيقيين، أولئك الذين يستوفون شروط المهنة ويحترمون أخلاقياتها، يبقى الأمل قائماً في أن تستعيد الصحافة توازنها… وأن تعود المهنة لأصحابها الحقيقيين تماما كما هي مهنة اتطبيب للأطباء و مهمة الطيران تجاري كان أو مدني للطيارين.

فالأمر الذي يحدث حاليا في العالم جلل خصوصا و نحن نخرج من حروب الجيل الخامس و نستعد لدخول عالم حروب الجيل السادس, و ينبغي لمواجهة هكذا ظروف تهيئة و تعبئة نوعية في الميدان الإعلامي, لأنه بصراحة من يسيطر على الإعلام في الوقت الراهن هو من يفرض شروط البلد الذي ينتمي إليها في العديد من المجالات, سواءا كانت إعلامية أو اقتصادية و خاصة جيوسياسية, و لعل ما حدث و لا يزال يحدث من حرب إعلامية بين إيران و أمريكا لخير دليل, أين أصبحت الكلمات تضاهي اللكمات.

و رغم كل هذا الهرج و المرج في عالم الإعلام نوجه تبريكاتنا مع تمنياتنا لعام سعيد لمجمل الصحفيين الحقيقيين لا غير.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram