ما قل ودل

مِدرسة الفلاح في وهران…منارة الإصلاح وذاكرة حيّة للحركة الوطنية

صورة للرعيل الأول لكوادر جمعية العلماء المسلمين يقودهم عبد الحميد بن باديس

شارك المقال

في قلب حي المدينة الجديدة، تقف مدرسة الفلاح شاهدة على مرحلة مفصلية من تاريخ وهران، حيث امتزج النضال الثقافي بالإصلاح الديني في مواجهة سياسات الطمس الاستعماري. ومع حلول شهر التراث، تعود هذه المؤسسة العريقة إلى الواجهة باعتبارها إحدى أهم المعالم التي أسهمت في تشكيل الوعي الوطني الجزائري.

النشأة في سياق الإصلاح والهوية

تأسست مدرسة الفلاح سنة 1935 بمبادرة من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي أوفدت الشيخ سعيد زمّوشي إلى وهران للإشراف على المشروع التربوي. وجاءت هذه الخطوة استجابة لحاجة ملّحة آنذاك، حيث كانت اللغة العربية شبه مغيبة، والتعليم الديني يعاني من تشوهات بفعل انتشار الخرافات والممارسات الدخيلة.

وقد سعت المدرسة منذ بداياتها إلى ترسيخ تعليم اللغة العربية والعلوم الشرعية، في إطار مشروع إصلاحي يهدف إلى تنقية الدين من الشوائب، وإعادة بناء الشخصية الجزائرية على أسس علمية وثقافية متينة.

رجال صنعوا الوعي…من بن باديس إلى نخب وهران

عرفت المدرسة ديناميكية تنظيمية مبكرة، حيث تأسس سنة 1936 مجلس إداري بإشراف الشيخ الميلود المحاجي، وبمساهمة نخبة من أعيان المدينة، من بينهم بن شهرة مهدي الذي كان من أبرز الداعمين للمشروع، إلى جانب شخصيات أخرى أسهمت مادياً ومعنوياً في تثبيت أركان هذه المؤسسة.

وتزامن نشاط المدرسة مع حراك وطني متصاعد قاده رواد الإصلاح والسياسة، على غرار عبد الحميد بن باديس ومصالي الحاج وفرحات عباس، الذين أسهموا في نشر الوعي الوطني عبر التعليم، والعمل الجمعوي، والكشافة، والمسرح، والرياضة.

مدرسة الفلاح…ذاكرة مقاومة ورمز للنهضة

لم تكن مدرسة الفلاح مجرد فضاء للتعليم، بل كانت حاضنة لفكر إصلاحي ومشتلاً للنخب التي ساهمت في معركة التحرر الوطني. فقد لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية، في وقت كانت فيه السياسات الاستعمارية تسعى إلى طمسها.

واليوم، تمثل هذه المدرسة رصيداً تاريخياً وثقافياً يستحق التثمين والحماية، ليس فقط كمعلم معماري، بل كرمز لمسار طويل من النضال الفكري.

لذا فإن استحضار تجربة مدرسة الفلاح هو استحضار لمرحلة صنعت الوعي، وأسست لجزائر مستقلة بهويتها، قوية بذاكرتها، ومتصلة بجذورها.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram