تحل علينا اليوم ذكرى مفصلية في سجل الذاكرة الوطنية الجزائرية، وهي ذكرى الخامس من ماي 1931؛ اليوم الذي شهد ميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. لم يكن هذا التاريخ مجرد تأسيس لتنظيم علمي أو ديني، بل كان إعلاناً صريحاً عن انطلاق “ثورة فكرية” شاملة، استهدفت ترميم الشخصية الجزائرية التي حاول الاستعمار طمس معالمها لأكثر من قرن من الزمان.
منارة الإصلاح…حين قاد “ابن باديس” معركة الوعي
جاء تأسيس الجمعية تتويجاً لمسار طويل من الجهد الإصلاحي الذي قاده الإمام العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس ورفاقه من خيرة علماء الوطن. لقد أدركت هذه النخبة أن مواجهة الاستعمار لا تبدأ بالسلاح فحسب، بل بتنقية العقول من الخرافات، وإحياء لغة الضاد، وتثبيت العقيدة الإسلامية الصحيحة.
بشعارها الخالد “الإسلام ديننا، العربية لغتنا، والجزائر وطننا”، وضعت الجمعية حجر الأساس للمقاومة الثقافية، مشكلةً بذلك سداً منيعاً أمام سياسات “الفرنسة” و”المسخ” الثقافي.
المدرسة والمسجد…خنادق المقاومة الفكرية
لم تكتفِ الجمعية بالخطابة، بل انتقلت إلى الميدان عبر شبكة واسعة من المدارس الحرة التي انتشرت في ربوع القطر الجزائري، من وهران غرباً إلى عنابة شرقاً. كانت هذه المدارس هي “المصانع” التي أعدت الجيل الذي فجر الثورة التحريرية لاحقاً؛ جيلٌ يدرك تماماً انتماءه الحضاري ولا يقبل الدونية.
لقد نجحت الجمعية في صون الهوية الجزائرية عبر:
-
التعليم الحر: الذي ربط الناشئة بجذورهم العربية والإسلامية.
-
الصحافة الإصلاحية: عبر جرائد مثل “الشهاب” و”البصائر” التي كانت منبراً للوعي والتمحيص.
-
عقل الرعاية: بتطبيق منهج التدبر والتحليل (الذي وصفه البعض لاحقاً بـ “عقل الرعاية لا عقل الرواية”) في فهم الواقع السياسي والاجتماعي.
امتداد الأثر…من الإصلاح إلى الاستقلال
إن الرابط بين 5 ماي 1931 وفاتح نوفمبر 1954 هو رابط عضوي؛ فجمعية العلماء هي التي “مخضت الرأي” وأنضجت الوعي القومي، وهي التي مهدت الأرضية الصلبة التي سار عليها المجاهدون. لقد علمت أجيال الثورة أن مدرسة ابن باديس تحرص على “الاجتهاد البشري” والاعتماد على الجهد التقليدي في التربية والتكوين الذي يعتبر الضمان الوحيد للسيادة الوطنية.
و في ذكرى تأسيسها، يبقى إرث جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بوصلةً تلهم عموم الجزائريين من أجل مواجهة تحديات العصر، من “التضليل الإعلامي” إلى مخاطر “التبعية الفكرية”. لذا فالوفاء لجيل التأسيس يقتضي الحفاظ على تلك المقومات التي استبسلوا من أجلها، والتمسك بالهوية الوطنية في وجه كل العواصف الرقمية والتحولات العالمية.