ما قل ودل

المؤرخ الفرنسي ألان روسيو يكشف المستور…إمبراطورية فرنسا صنعت نفسها فوق جماجم الجزائريين

شارك المقال

رغم مرور عقود طويلة على نهاية الاستعمار الفرنسي في الجزائر، لا تزال صفحات الغزو الفرنسي الممتد منذ سنة 1830 تحمل في طياتها واحدة من أكثر التجارب الاستعمارية دموية في التاريخ الحديث. وبينما حاولت الدعاية الاستعمارية الفرنسية تقديم احتلال الجزائر باعتباره “مهمة حضارية” لنشر التقدم والتمدين، تكشف الوثائق والشهادات التاريخية أن ما جرى على الأرض كان حرب إبادة اجتماعية وثقافية واقتصادية استهدفت الإنسان الجزائري وهويته ومجاله الحيوي.

في هذا السياق، أعاد المؤرخ الفرنسي المتخصص في التاريخ الاستعماري، ألان روسيو، فتح هذا الملف الشائك من خلال كتابه “الحرب الجزائرية الأولى… تاريخ الغزو والمقاومة 1830-1852”، حيث اعتمد على أرشيفات عسكرية ومراسلات خاصة وصحف فرنسية ولوحات فنية ووثائق رسمية، ليقدم صورة صادمة عن حجم العنف الذي مارسته القوات الفرنسية خلال العقود الأولى للاحتلال.

المحارق والأنفوماد…حين تحولت الكهوف إلى مقابر جماعية

ويؤكد روسيو أن الاحتلال الفرنسي لم يكن مجرد مواجهة عسكرية مع المقاومين الجزائريين، بل كان مشروعاً قائماً على الترويع الجماعي وإخضاع المجتمع بالقوة. فمنذ سقوط مدينة الجزائر سنة 1830، بدأت عمليات التدمير الممنهج للمدن والقرى والمساجد والبنية الاجتماعية الجزائرية، حيث هُدمت أحياء كاملة، وحُولت بعض المساجد إلى كنائس وكاتدرائيات في محاولة لفرض الهيمنة الرمزية والثقافية.

ومن أبشع الجرائم التي وثقتها الصحافة الفرنسية نفسها آنذاك ما عُرف بـ”المحارق” أو “الأنفوماد”، وهي عمليات خنق جماعي للمدنيين داخل الكهوف عبر إشعال النيران والدخان عند المداخل. وقد شكلت مجزرة كهوف الظهرة سنة 1845 مثالاً صارخاً على هذه الوحشية، بعدما قُتل مئات الجزائريين، بينهم نساء وأطفال، اختناقاً داخل الكهوف بأوامر من الجيش الفرنسي. المثير أن هذه الجرائم لم تكن خفية، بل جرى تداولها في الصحف الفرنسية وأثارت حينها جدلاً داخل البرلمان الفرنسي نفسه.

سياسة الأرض المحروقة وتجويع السكان

ويرى المؤرخ أن الاستعمار الفرنسي اعتمد بشكل واسع على سياسة “الزرع بالخوف”، من خلال ما عُرف بـ”الغارات” أو “الرازيّات”، حيث كانت القوات الفرنسية تقتحم القرى وتصادر المحاصيل وتحرق البيوت وتنهب المواشي وتجوع السكان. هذه السياسة لم تقتل الجزائريين بالرصاص فقط، بل عبر المجاعة والأوبئة والانهيار الاجتماعي، خاصة مع انتشار الكوليرا والأمراض الناتجة عن التهجير والتجويع.

ويكشف روسيو أن ضباطاً فرنسيين كباراً مثل بيجو وسانت آرنو ومونتانيـاك كانوا يبررون علناً هذه الجرائم، معتبرين الجزائريين “أقل شأناً” ويجب إخضاعهم بالقوة المطلقة. وقد كتب أحد الضباط الفرنسيين سنة 1843 بأن كل القرى التي ترفض شروط فرنسا “يجب تدميرها بالكامل دون تمييز بين النساء والأطفال”، وهو ما يعكس العقلية العنصرية التي حكمت المشروع الاستعماري منذ بدايته.

أرقام الضحايا…نصف مليون جزائري في عقدين فقط

أما من حيث الحصيلة البشرية، فيشير الباحث إلى أن عدد الضحايا الجزائريين بين 1830 و1852 تراوح بين 400 ألف و500 ألف قتيل، أي ما يقارب عُشر سكان الجزائر آنذاك، قبل أن ترتفع الأرقام لاحقاً إلى أكثر من 800 ألف ضحية مع استمرار الاحتلال والمجاعات والقمع. والمثير أن أغلب الضحايا كانوا من المدنيين وليسوا من المقاتلين.

كما يسلط الكتاب الضوء على البعد الاقتصادي للاستعمار، موضحاً أن احتلال الجزائر لم يكن مجرد مشروع سياسي، بل فرصة هائلة للإثراء والنهب. فقد استولت فرنسا على خزينة الدولة الجزائرية، ونهبت الأراضي الزراعية والثروات المحلية، بينما استفادت عائلات نافذة ورجال أعمال وبنوك فرنسية من الحرب والاستيطان، مستندين إلى بنية تحتية موّلت أساساً من ضرائب الجزائريين أنفسهم.

“رسالة التمدين” أم حملة صليبية جديدة؟

ولم يغب البعد الديني عن المشروع الاستعماري، إذ ارتبطت فكرة الاحتلال في المخيال الفرنسي آنذاك بما يشبه “الحملة الصليبية الجديدة”، حيث دعمت الكنيسة الكاثوليكية التوسع الفرنسي، واعتُبر تحويل الجزائر إلى فضاء مسيحي جزءاً من “رسالة فرنسا الحضارية”. ومع ذلك، كانت الإدارة الاستعمارية تخشى أحياناً من الإفراط في التنصير حتى لا يؤدي ذلك إلى انفجار شعبي واسع.

ويخلص المؤرخ الفرنسي إلى أن العنف الذي مارسته فرنسا في الجزائر لم يدمّر المجتمع الجزائري فقط، بل انعكس أيضاً على المجتمع الفرنسي نفسه، إذ ساهم في تطبيع الوحشية داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الفرنسية. فالضباط الذين مارسوا القمع الدموي في الجزائر عادوا لاحقاً لقمع الانتفاضات الشعبية داخل فرنسا بنفس العقلية الاستعمارية.

إن إعادة قراءة هذه المرحلة ليست مجرد نبش في الماضي، بل محاولة لفهم كيف تأسست العلاقة المعقدة بين الجزائر وفرنسا على تاريخ طويل من الدم والعنف والهيمنة. كما تؤكد هذه الدراسات أن الاستعمار الفرنسي لم يكن مشروع “تمدين” كما رُوّج له، بل نظاماً استعمارياً قائماً على القوة والتجويع والإقصاء ونهب الإنسان والأرض والذاكرة.

المصدر: كتاب “الحرب الجزائرية الأولى…تاريخ الغزو والمقاومة 1830-1852”

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram