ما قل ودل

جريدة المقال سبق و أن تعرضت للموضوع…فرنسا تفتح رسميا خزائن الذاكرة الاستعمارية

في الصورة مخطوط منهوب يوضح أصول أشراف الجزائر

شارك المقال

في خطوة وُصفت بالتاريخية، صادق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على قانون جديد يسهّل إعادة الأعمال الفنية والممتلكات الثقافية المنهوبة خلال الحقبة الاستعمارية، وهو القرار الذي انتظرته العديد من الدول الإفريقية والآسيوية منذ سنوات طويلة، وسط ترحيب دولي واسع، خاصة من الصين وعدد من العواصم الإفريقية.

ويُعد هذا القانون تحوّلاً لافتاً في طريقة تعامل فرنسا مع ملف الذاكرة الاستعمارية، بعدما كانت عملية استرجاع القطع الأثرية تتطلب سابقاً إصدار قانون خاص لكل قطعة أو مجموعة فنية، بسبب تصنيفها ضمن “الملك العام الفرنسي” الذي يمنع التفريط فيه قانونياً. أما بموجب النص الجديد، فأصبح بإمكان الحكومة الفرنسية إخراج الأعمال المنهوبة من الملك العام عبر مرسوم حكومي مباشر، ما يفتح الباب أمام تسريع عمليات الإرجاع.

للتذكير أنه سبق لجريدة “المقال” و أن تعرضت لموضوع استرجاع الأملاك المنهوبة بدءا بجماجم شهدائنا الأشراف و انتهاءا بالمطالبة باسترجاع مدفع بابا مرزوق المكنى بمدفع القناصلة.

اعتراف ضمني بتاريخ النهب الاستعماري

يرى مراقبون أن القانون الجديد يحمل في طياته اعترافاً غير مباشر بحجم النهب الثقافي الذي تعرضت له الشعوب المستعمَرة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حين تحولت الحملات العسكرية الأوروبية إلى عمليات استحواذ واسعة على المخطوطات والتحف والتماثيل والقطع الأثرية التي نُقلت إلى المتاحف الغربية.

وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الضغوط على باريس من أجل إعادة التراث الثقافي إلى أصحابه الأصليين، خاصة بعد تقارير أكاديمية أكدت وجود آلاف القطع الإفريقية والآسيوية داخل المتاحف الفرنسية، تم الحصول على جزء معتبر منها في ظروف مرتبطة بالحروب أو الاحتلال أو الإكراه السياسي.

آن للجزائر أن تستعيد مقتنياتها

ويعيد هذا التطور إلى الواجهة ملف الممتلكات الثقافية الجزائرية التي نُقلت إلى فرنسا خلال فترة الاحتلال التي دامت قرن و إثنان و ثلاثون سنة من النار و الدمار، سواء تعلق الأمر بالمخطوطات النادرة أو التحف التاريخية أو المقتنيات ذات الطابع الرمزي المرتبط بالمقاومة الجزائرية.

ويعتبر متابعون أن القانون الجديد قد يمنح الجزائر فرصة قانونية ودبلوماسية جديدة للمطالبة باسترجاع عدد من الكنوز التاريخية الموجودة داخل المتاحف والأرشيفات الفرنسية، خصوصاً في ظل تنامي الخطاب الرسمي الجزائري الداعي إلى معالجة ملفات الذاكرة بعيداً عن الانتقائية.

من “القوة الاستعمارية” إلى “دبلوماسية الاعتذار الناعم”

التحول الفرنسي الحالي لا يُقرأ فقط من زاوية ثقافية، بل يُنظر إليه أيضاً كجزء من محاولة باريس إعادة ترميم علاقتها المتوترة مع عدد من الدول الإفريقية التي باتت تنظر بعين الريبة إلى الإرث الاستعماري الفرنسي.

ففرنسا التي فقدت خلال السنوات الأخيرة جزءاً من نفوذها التقليدي في الساحل وغرب إفريقيا، تدرك أن ملف الذاكرة أصبح عاملاً حاسماً في العلاقات الدولية الجديدة، وأن الاحتفاظ بممتلكات ثقافية منهوبة لم يعد يُنظر إليه كرمز حضاري، بل كامتداد لهيمنة تاريخية مرفوضة.

ورغم الترحيب الواسع بالقانون، إلا أن العديد من الأصوات تعتبره مجرد بداية لمسار طويل، لأن إعادة القطع الفنية وحدها لا تكفي لمعالجة الجراح و الندوب التاريخية التي خلفها الاستعمار.

ومع ذلك، يبقى هذا القرار مؤشراً على تغير تدريجي في النظرة الأوروبية إلى الماضي الاستعماري، وعلى أن معارك الذاكرة لم تعد تقتصر على الاعتراف السياسي فقط، بل أصبحت تشمل أيضاً استرجاع الرموز الثقافية والهوية التاريخية للشعوب التي تعرضت للنهب والتهميش لعقود طويلة.

المصدر: وكالة Agence France-Presse (AFP)

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram