وخلال سنوات الجائحة، طُرحت أسئلة كبرى لم تجد إلى اليوم إجابات نهائية في مخيلة الرأي العام: هل كانت تلك الفيروسات مجرد ظواهر طبيعية عرفها التاريخ مراراً؟ أم أن العالم دخل فعلاً مرحلة الحروب البيولوجية والصراعات الخفية داخل المختبرات؟ ولماذا تتزامن الأزمات الصحية الكبرى دائماً تقريباً مع تحولات سياسية واقتصادية وعسكرية عميقة؟
لقد كان انتشار كورونا لحظة مفصلية في التاريخ المعاصر. فالعالم الذي كان يعيش على إيقاع العولمة والانفتاح وجد نفسه فجأة تحت رحمة الحجر الصحي، وإغلاق الحدود، وانهيار المنظومات الصحية والاقتصادية. ملايين البشر فقدوا وظائفهم، وآلاف المؤسسات أغلقت أبوابها، بينما واجهت دول كبرى أزمات مالية خانقة بسبب تكاليف الرعاية الصحية والتقاعد والدعم الاجتماعي.
وفي خضم تلك الفوضى، ظهرت نظريات عديدة ربطت بين الجائحة والتحولات الجيوسياسية العالمية، خاصة مع الانتقال السريع من أزمة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وكأن العالم خرج من طوارئ صحية ليدخل مباشرة في مرحلة اضطراب عسكري واقتصادي طويل الأمد.
واليوم، يتكرر المشهد النفسي نفسه مع تصاعد الحديث عن فيروس هانتا، بالتزامن مع التوترات الدولية المتزايدة في الشرق الأوسط، خاصة بعد الأزمة العسكرية المرتبطة بإيران وما تبعها من ارتباك في المشهد الدولي بشأن كيفية احتواء التصعيد. فالبعض يرى أن تزامن المخاوف الصحية مع الأزمات الجيوسياسية الكبرى لم يعد مجرد صدفة عابرة، بل أصبح جزءاً من حالة القلق الجماعي التي يعيشها العالم.
وفي هذا السياق، يربط كثيرون بين عودة الهلع من الفيروسات وبين حالة التوتر الدولي، خاصة مع حالة الغموض التي أحاطت بمواقف الرئيس الأميركي ترامب تجاه ملفات الصراع والتصعيد مع إيران، وما تخلفه تلك المرحلة من مخاوف بشأن اتساع رقعة الحروب وعدم استقرار النظام الدولي. وهكذا يجد العالم نفسه مرة أخرى أمام مشهد مضطرب، تختلط فيه الأزمات الصحية بالنزاعات السياسية والعسكرية، مما يغذي نظريات المؤامرة والخوف من المجهول.
لكن علمياً، لا توجد أدلة قاطعة تثبت أن فيروس كورونا أو غيره من الفيروسات الحديثة صُنعت عمداً لإعادة تشكيل العالم، رغم استمرار الجدل الدولي حول مصادر بعض الأوبئة وطبيعة ظهورها. كما أن تحور الفيروسات وتغير سلالاتها أمر معروف في علم الأوبئة، حيث تميل بعض الفيروسات مع الوقت إلى أن تصبح أكثر انتشاراً وأقل فتكاً.
أما فيروس هانتا، فهو معروف منذ عقود وينتقل غالباً عبر القوارض، ولا توجد حالياً مؤشرات علمية تؤكد تحوله إلى جائحة عالمية شبيهة بكورونا. غير أن مجرد ظهور اسمه في وسائل الإعلام يكفي لإحياء ذاكرة الخوف الجماعي التي خلفتها سنوات الوباء.
لقد كشفت جائحة كورونا هشاشة الإنسان المعاصر رغم كل التقدم العلمي والتكنولوجي، وأثبتت أن العالم يمكن أن يتوقف بالكامل بسبب كائن مجهري لا يُرى بالعين المجردة. وبين من يفسر ما يحدث باعتباره اختباراً إلهياً، ومن يراه نتيجة صراعات بشرية ومصالح دولية معقدة، تبقى الحقيقة الثابتة أن البشرية دخلت مرحلة جديدة عنوانها: القلق الدائم من المجهول البيولوجي والسياسي معاً.