عاد ملف التجسس الإلكتروني إلى واجهة النقاش الدولي من جديد، بعد تسليط الضوء على الدور الذي لعبته بعض أجهزة الاستخبارات في إعادة تشكيل العلاقات السياسية والدبلوماسية عبر العالم. وفي هذا السياق، خصص جريدة L’Express الفرنسية حصة بودكاست المعنون “وكر الجواسيس” في حلقة خاصة حول أساليب الاستخبارات المغربية وقضية برنامج التجسس الشهير بيغاسوس، التي هزّت الساحة الدولية خلال السنوات الأخيرة.
ويُعتبر “بيغاسوس” برنامجاً متطوراً للتجسس الإلكتروني طورته شركة إسرائيلية للإصالات، ويتيح اختراق الهواتف الذكية والوصول إلى المكالمات والرسائل والصور والبيانات الشخصية بشكل شبه كامل، دون علم صاحب الجهاز.
وقد انفجرت القضية عالمياً سنة 2021، عندما كشف تحالف دولي من الصحفيين ومنظمات حقوقية عن قائمة تضم نحو 50 ألف رقم هاتفي يُشتبه في تعرضها للمراقبة عبر البرنامج، شملت صحفيين، ومعارضين سياسيين، ودبلوماسيين، وحتى رؤساء دول ومسؤولين كبار.
ومن أبرز الأسماء التي أثارت الجدل داخل هذا الملف، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعدما ورد اسمه ضمن قائمة الشخصيات التي قيل إنها كانت مستهدفة بالتجسس، في قضية نسبت تقارير إعلامية مسؤوليتها إلى جهات مغربية، وهو ما تسبب آنذاك في توتر ملحوظ في العلاقات بين باريس والرباط.
وتناولت الحلقة أيضاً كتاب المغرب “نهاية مملكة” للصحفي المغربي عمر بروكسي، الذي تحدث عن طبيعة السلطة داخل المغرب وآليات عمل المؤسسة الأمنية والاستخباراتية، معتبراً أن ملف التجسس يعكس جانباً من الصراعات الخفية المرتبطة بإدارة النفوذ داخل المنطقة.
ويؤكد متابعون أن قضية “بيغاسوس” لم تعد مجرد فضيحة تقنية، بل تحولت إلى قضية سياسية وأخلاقية عالمية أعادت طرح أسئلة خطيرة حول حدود استخدام التكنولوجيا في مراقبة الأفراد، ومدى احترام الخصوصية والحريات الشخصية، خاصة عندما تتحول الهواتف الذكية إلى أدوات مراقبة دائمة في يد أجهزة الاستخبارات.
كما كشفت هذه القضية حجم التحول الذي عرفه عالم التجسس في العصر الرقمي، حيث لم تعد المعارك الاستخباراتية تعتمد فقط على العملاء السريين والوثائق الورقية، بل أصبحت تدور داخل الهواتف والحواسيب والشبكات الإلكترونية، في حرب صامتة لا تُرى بالعين المجردة لكنها قادرة على تغيير العلاقات الدولية وإشعال الأزمات الدبلوماسية.
ويرى مختصون أن فضائح التجسس الحديثة تؤكد أن الأمن السيبراني أصبح أحد أكبر التحديات التي تواجه الدول والأفراد معاً، في عالم باتت فيه المعلومة أخطر من السلاح أحياناً.
وبين النفي الرسمي والاتهامات الإعلامية المتبادلة، تبقى قضية “بيغاسوس” واحدة من أكثر ملفات التجسس إثارة للجدل في القرن الحادي والعشرين، لأنها كشفت الوجه الخفي للصراع على النفوذ والمعلومات في عالم تحكمه التكنولوجيا والأسرار أكثر من أي وقت مضى.