
أ.د عبد القادر بوعرفة/ مدير وحدة البحث URSH
إن الندوة التي نظمتها وحدة البحث علوم الإنسان URSH بتاريخ 13/ 05/ 2026 بكلية العلوم الاجتماعية، جامعة وهران2. أبرزت المداخلاتُ الأربعة أنَّ السؤال الإفريقي لم يعد سؤالًا جغرافيًّا أو إثنيًّا فحسب، بل تحوّل إلى سؤالٍ أنطولوجي يتعلّق بكيفية استعادة إفريقيا لذاكرتها، وإعادة بناء وعيها الحضاري خارج منطق التبعية الرمزية. فحين تحدّثت أ.د مباركة بلحسن عن التراث الشفوي، فإنها لم تكن تستعيدُ الفولكلور بوصفه بقايا ماضٍ، بل كانت تُعيد الاعتبار للشفهي المرن بوصفه خزّانًا للكينونة الإفريقية، وفضاءً لحفظ الذاكرة الجماعية في مواجهة العنف الكولونيالي الذي حاول اختزال إفريقيا في صورةٍ إثنوغرافية جامدة. ولذلك بدا حديثها عن “المغني المقدّس” (الإيغوي) في المجتمعات الحسانية، وفي موريتانيا والسنغال، إحالةً على تلك الذات التي تحفظ التاريخ عبر الإنشاد، وتقاوم النسيان عبر الإيقاع والرمز. وتبدو موسيقى التِّيدِنِيتْ كذاكرة تراثية لها ملامح البنية الثقافية، والدلالة الوظيفة في المجتمعات الحسانية.

وتكمن خطورة “الاختزال الرمزي” -كما أشارت – في كونه يُحوّل إفريقيا من ذاتٍ منتجة للمعنى إلى موضوعٍ للتأويل الخارجي، أي إلى قارةٍ تُقرأ بعيون الآخر لا بوعيها الخاص. وهنا تتجلّى أزمة الذاكرة الإفريقية بوصفها أزمة تمثيل وتمثل قبل أن تكون أزمة تاريخ.
ويُواصل أ.د بوزيد بومدين تعميق هذا الأفق حين يطرح إفريقيا من منظورٍ استراتيجي، متسائلًا: هل تستطيع إفريقيا أن تُرمّم ذاكرتها المجروحة؟ وهل تقدر على إعادة إنتاج مفاهيمها بعد انتفاضتها على السرديات الكبرى؟ إنّ هذه الأسئلة لا تنتمي إلى الحقل السياسي وحده، بل تنفتح على أفقٍ إبستمولوجي يتعلّق بإمكان تأسيس عقلٍ إفريقي مستقلّ عن المركزية الغربية.
ومن هنا يبرز استدعاؤه لمفهومي “البانتو” و“أوبونتو”، بوصفهما احتمالًا فلسفيًّا لتجاوز الفردانية الديكارتية. فالكوجيتو الإفريقي لا يقوم على “أنا أفكر إذن أنا موجود”، بل على “أنا موجود بالآخرين”، أي على منطق العلاقة والتشارك والقوة الحيوية. ولذلك تبدو فلسفة ليوبولد سيدار سنغور، واشتغالات هنري أوروكا، وكواسي ويريدو، محاولةً لتأسيس وعيٍ إفريقي يستعيد حقه في إنتاج المفهوم لا استهلاك المفاهيم الجاهزة.

أمّا مداخلة أ.د أنوال طامر فقد ذهبت إلى مساءلة مفهوم الزنوجة بوصفه قيمةً إيجابية لا عقدةً سلبية. فالثقافة الشفهية، وخاصة شخصية “القوّال”، لم تكن مجرّد تسلية شعبية، بل كانت مؤسسةً رمزية تحفظ ذاكرة الجماعة وتؤدي وظيفة الأرشيف الحيّ. ولهذا اكتسب القوّال نوعًا من القداسة، لأنّه كان موسوعة القرية وضميرها الثقافي. ومن هنا جاء توظيف عبد القادر علولة للقوّال في المسرح الجزائري بوصفه استعادةً للصوت الشعبي المقاوم والمُجاهد، وإحياءً للذاكرة الجماعية في وجه الاغتراب الثقافي.
ويبلغ النقاش ذروته مع مداخلة أ.د عبد الله موسى حول “الأنا الإفريقي”، حيث يتحوّل السؤال من الهُوية إلى التعدّد. هل الإفريقي واحد أم متعدّد؟ ولماذا ينظر بعض الأفارقة إلى شمال إفريقيا خارج الانتماء الإفريقي؟ وأيضا لم ينظر سكان شمال أفريقيا إلى الأفارقة الزنوج نظرة دونية؟ وهل تكمن الأزمة في اللون أم في البنية الذهنية التي كرّسها الاحتلال؟ إنّ هذه الأسئلة تكشف أنّ إفريقيا ما تزال تعيش انقسامًا في تمثّل ذاتها، بين شمالٍ تشدّه المتوسّطية، وجنوبٍ يستعيد الوعي الزنجي بوصفه هويةً مقاومة.
غير أنّ أخطر ما تطرحه هذه المداخلات هو السؤال المتعلّق بنا نحن: ماذا نريد حين ندرس إفريقيا كجزائريين؟ هل نبحث عن عمقٍ جغرافي، أم عن امتدادٍ حضاري؟ وهل يمكن بناء جبهةٍ إفريقية تتجاوز عقدة النقص تجاه الغرب، وتؤسّس لوعيٍ قاري جديد؟ هنا تتحوّل إفريقيا من موضوعٍ للدراسة إلى مشروعٍ للتحرّر الرمزي والمعرفي، أي إلى إمكانيةٍ فلسفية لإعادة التفكير في الإنسان، والهوية، والذاكرة، والتاريخ.

أفضى النقاش إلى الاعتراف أن الذاكرة الإفريقية ركيزة أساس للهوية والثقافة في القارة، وتواجه تحديات جمة في عصر الهيمنة الجديدة. وعبر المداخلات الأربعة يُمكن القول أن ما يجمعها يتمثل في النقاط الأتية:
1- الفلسفة الإفريقية البديلة: البانتو وأوبونتو
تُقدم الفلسفة الإفريقية مفاهيم عميقة يمكن أن تكون بديلاً للنماذج الفكرية الغربية:
1- البانتو (القوة الحيوية) حيث يرى الفيلسوف البلجيكي بلاسيد تيمبلز في كتابه
Bantu Philosophy أن مفهوم القوة الحيوية (Ntu) هو جوهر الفلسفة البانتوية، حيث يرى أن كل الكائنات في الكون تمتلك قوة حيوية تتفاوت درجاتها، وأن التفاعل بين هذه القوى يشكل أساس الوجود. هذا المفهوم يتجاوز النظرة المادية للعالم ويركز على الترابط الروحي والوجودي بين الكائنات.
2- أوبونتو: تعني “أنا موجود لأننا موجودون” أو “الإنسانية للآخرين” هذه الفلسفة الإفريقية تركز على الترابط المجتمعي، والتعاطف، والتعاون، والاعتراف المتبادل بالإنسانية. إنها تقدم بديلاً قوياً للفردانية الديكارتية التي تركز على الذات المنفصلة: “أنا أفكر، إذن أنا موجود” فأوبونتو يؤكد أن وجود الفرد لا يكتمل إلا عبر علاقته بالمجتمع والآخرين، مما يعزز قيم التضامن والمسؤولية الجماعية.

2- إحياء الوعي الإفريقي: منري أوروكا، كواسي ويريدو، وليوبولد سيدار سنغور
تساهم أعمال مفكرين أفارقة بارزين في إحياء الوعي الإفريقي واستعادة مكانة الفلسفة الإفريقية:
1- هنري أوروكا (Henry Oruka) اشتهر بمفهوم “فلسفة الحكماء”، حيث سعى إلى إثبات وجود فلسفة إفريقية أصيلة عبر توثيق أفكار الحكماء التقليديين في المجتمعات الإفريقية. تحدى أوروكا التصورات الغربية التي كانت تنكر وجود فلسفة إفريقية مستقلة، مؤكداً أن الفلسفة ليست حكراً على الثقافة الغربية.
2- كواسي ويريدو (Kwasi Wiredu) دعا إلى “تحرير المفاهيم” في الفلسفة الإفريقية، وهو ما يعني التخلص من التأثيرات الكولونيالية على الفكر الإفريقي. يرى ويريدو أن العديد من المفاهيم الفلسفية الإفريقية قد تم تشويهها أو تفسيرها من منظور غربي، ويدعو إلى إعادة صياغتها من منظور إفريقي أصيل.
3- ليوبولد سيدار سنغور (Léopold Sédar Senghor) أحد أبرز رواد حركة الزنوجة (Négritude)، التي هدفت إلى الاحتفاء بالثقافة والقيم الإفريقية السوداء ومقاومة الاستعمار الثقافي. أكد سنغور على الخصائص الفريدة للثقافة الإفريقية، مثل العاطفة والإيقاع، ودعا إلى استعادة الكرامة الإفريقية والاعتزاز بالهوية.
وجملة القول، إن الذاكرة الإفريقية في عصر الهيمنة الجديدة تواجه تحديات كبيرة تتطلب جهودًا متضافرة لترميمها واستعادتها عبر الحفاظ على التراث الشفوي، ومقاومة الاختزال الرمزي، وإعادة إنتاج المفاهيم الفلسفية الأصيلة كالبانتو وأوبونتو، يمكن لإفريقيا أن تعيد بناء سرديتها الخاصة وتؤكد على هُويتها الثقافية والروحية.