
اقترحت عليّ جريدة “الخبر” المساهمَة في ملف عن “العيش معاً”، (بمناسبة يوم 16 مايو اليوم العالمي ” للعيش معا في سلام” الذي جاء بعد جهود ديبلوماسية من وزارة الخارجية الجزائرية والشيخ خالد بن تونس شيخ الزاوية العلاوية وأقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2017).
و رأيت بدل أن نَسرد الأفكار والآيات القرآنيّة ونتفاً من السّيرة النبويّة، والجدل القائم حول فهْم ذلك وتأويله، أو نسخ ما قاله الغربيّون، فتردّدت في الكتابة بين الحديث عن فكرة “التّعايش” داخل المنظومات المعرفية والدّينية والصّوفية في الجزائر والتي كانت تجلياتها في نصوص الأمير عبدالقادر وحياته وفي أدبيّات نهاية القرن التّاسع عشر وفي نصوص وسلوك الشّيخ بن عليوة وغيره من المشايخ، وفي بعض فضاءات صفحات جمعيّة العلماء المسلمين وتفسير ابن باديس وأقواله وقد بسطت بعض ذلك في كتابي: “مواطنة التّعايش”.
التساؤل…هل “يتعايش” الجزائريّون؟
طبعا قد تكون الإجابة السّريعة بالنّفي عند بعضهم حيث يحضر كأحكام مُسبقة نتيجة التّاريخ والصّراع ومرحلة التّسعينات السّوداوية وما نعيشه اليوم من خطاب الكراهيّة والإقصاء في وسائل التّواصل الاجتماعي، وعند آخرين الاستشهاد كما هي العادة مجترّين مواقف الأمير عبدالقادر وحكي إنقاذه المسيحيين أو الحديث عن “وسطيّة” و”اعتدال” بطريقة فضفاضة في ثقافتنا الدّينية وغالباً يكون التّعبير عن ذلك خارج الأزمنة والسّياقات.
و لكن القوْل الأقرب إلى الحقائق التّاريخيّة وملامسة ذلك عبر التّحليل الأنثروبولوجي والاجتماعي يقتضي فهم موضوع “التّعايش” خارج سياقاتنا اليوم أو الشّروط التّاريخية التي ظهر فيها كسلوك ومواقف مثل الضّيافة والكرم وقبول الآخر أو حالات حوار بين علماء دين وقسّيسين مسيحيين أو مع رهبان يهود في تاريخنا الجزائري، فموضوع “التّعايش” و”التّسامح” و”حوار الثقافات والأديان” و”السِّلم” يتلبّس بمحيط تاريخي وديني وثقافي.
وحين تحوّل إلى مؤسّسات قانونيّة في الغرب كان بعد الحرب العالمية ومعاناة الذّاكرة الغربية تجاه ما لحق اليهود، واليوم في بلداننا علينا ربطه بموضوع “المواطَنة”، والتّربية عليها ومجابهة خطاب الكراهية والإقصاء يكون عبر القوانين والمؤسّسات، ولكن التُّربة الصالحة هي “التّربية على المواطَنة” التي مازالت عندنا مفهومة كعلاقة قانونيّة محصورة في الحقوق والواجبات، في حين مستقبلاً التّفكير في “مواطَنة رقميّة” في عصر الذّكاء الاصطناعي لمواجهة أوبئة الكذب والتحيّز والكراهيّة والتّدليس وفقدان الخصائص البشرية أمام الأتمتة.
إن الجزائري اليوم تصنع سلوكه وذهنيّته “ذاكرة الشِّقاق” من خلال أدبيّات النّسب والعِرق واعتبار غيره أقلّ منه شأناً وهي “شوفينيّة” تُنبت الحقْد والبغضاء، ليس معنى هذا أنّ الجزائريين كلّهم بهذا الوصْف، ولكن عودة “التّكفير” و”الإلغاء” وهيمنة نخب تحقييرية لنخب أخرى باسم اللغة أو الدّين أو الانتماء الأيديولوجي، وسبحان الله الكنيسة الكاثوليكية تخلّت في مجمعها بداية السّتينات من القرن الماضي عن فكرة “الخلاص” –أي لا خلاص خارج الكنيسة- ونحن مازلنا تحت وهْم “الفِرقة النّاجية” التي تُستعمل بتأويل مذهبي وعقَدي ضدّ الخصوم ورميهم في الجحيم.
و تذكرت بداية افتتاح كتاب أبي يعقوب الورجلاني “الدّليل لأهل العُقول” (ت 570ه/1175م) الذي قرأ حديث تفرّق الأمة إلا واحدة في الجنة، بعكس ذلك في رواية أخرى: أنّها كلّها في الجنة إلا واحدة في النّار فقط، وقد سعدت حين رأيت إباضيين يشاركون في ملتقى عالم جزائري “الونشريسي” الذي كفّر الإباضيّة في “نوازِله”، وهو تَعايش يقتضي كذلك إحياء نصوص الورجلاني.
فنقرأ تاريخينا كثَراء وتنوّع وتعدّد ويكون الفصْل والوصْل معه حسب السّياقات والحاجة العصريّة وليس حسب الأهواء الأيديولوجية ومرض المغالبة بروح “مَعْزَة… ولو طَارتْ” أو “أنّا وحدي نَضوّي البلاد” و “من ليس مَعي فهو ضدّي”.