ما قل ودل

زهرة الأوراس البلجيكية…عندما تذوب الهويات في حب الجزائر

شارك المقال

لا تزال قصص الحب العفيف تُكتب لتروى للأجيال القادمة، خاصة إذا تعلق الأمر بحكاية استثنائية جعلت بطلتها تترك كل ما تملك، وتتخلى عن امتيازاتها في قلب أوروبا، منتقلة إلى المجهول بحثاً عن جزائري صعدت برفقته إلى الجبال الشاهقة لمحاربة المستدمر الفرنسي.

إنها بالفعل قصة لن نجد نظيرتها سوى في عالم الحكايات والخيال الذي أسدل عنه الستار منذ مرويات ابن المقفّع, لكنها هنا حقيقة نابضة، لقصة حب تعيش بيننا لوقتنا الحالي، بطلها مجاهد جزائري وفتاة بلجيكية اعتنقت الإسلام وجاهدت فرنسا فصارت مفخرة للثورة الجزائزية.

عبر السطور التالية، وبناءً على ما تتبعناه في المقالات الصحفية والحوارات التلفزيونية، نفتح الدفاتر المنسية لنسرد لكم هذه الملحمة الإنسانية والتاريخية، لنعطي هذا الوفاء النادر حقه من التوثيق.

من الحرب النازية إلى شواطئ النضال

ولدت الحاجة الزهرة، واسمها الأصلي “فاندنابل ليونتين جورجات جراردة”، في 10 ماي 1942 بمنطقة بلجيكية، وهي ابنة “ويني جورديف” و”فيرفايلي مادلين ماري”. عانت طفولتها من ويلات الحرب، حيث عايشت فترة غزو الجيش النازي لبلجيكا، مما جعل عائلتها تتنقل باستمرار خوفاً من القصف، إلى غاية استقرارهم في شمال فرنسا، وبالضبط بمقاطعة “ليل”، حيث اشتغل والدها كعامِل في المناجم.

هذه النشأة وسط المعاناة صقلت روح هذه الفتاة، لتكون على موعد مع قدر أكبر سيربط اسمها ببلد المليون ونصف المليون شهيد، بعدما قطعت تذكرة المشقة من رفاهية وسلْم أوروبا، إلى جحيم الحرب والبارود في الجزائر.

 عندما يكتب القدر لغة الأرواح

ترجع أولى حلقات التعارف بين الفتاة الألمانية والشاب الجزائري أحمد ضحوة إلى عام 1957. كان “عمي أحمد” يتواجد في فرنسا تحت غطاء العمل، لكنه في الحقيقة كان جندياً مخلصاً في صفوف جبهة التحرير الوطني، ومكلفاً بمهمة بالغة الخطورة: جمع، وشراء، وتهريب الأسلحة عبر كافة المدن الفرنسية والبلدان الأوروبية المجاورة.

وفي أحد الأيام، قادته المهمة النضالية نحو بلجيكا، حيث اشتم البوليس البلجيكي تواجده وبات تحت مراقبة لصيقة. وفي لحظة مطاردة تحبس الأنفاس، استطاع البطل الجزائري الهروب من قبضة رجال الشرطة بالدخول إلى أحد المنازل مستنجداً. هناك، استضافه أهل الدار بكرم إنساني، وظنوا أنه يعاني من وعكة صحية شديدة فقاموا بمداواته وحمايته.

ظل هذا الجميل محفوراً في قلب المجاهد الجزائري، الذي بدأ يكرر زياراته لتلك العائلة كنوع من المجاملة ورد الثناء، وهنا لعب القدر لعبته المشهورة في تلاقي الأرواح الجميلة, لتولد بينه وبين ابنتهم “ليونتين” قصة حب عذري وطاهر، توجت بزواج شرعي وثقه قاضي السماء.

زهرة اللوتس في عروس الزيبان

لم تكن “زهرة” مجرد زوجة، بل تحولت إلى رفيقة سلاح خدمت الثورة الجزائرية حتى النخاع، فكانت عوناً لزوجها المجاهد في تهريب وتأمين السلاح، بل والتحقت به في معاقل الثورة بجبال الأوراس الأشم ومكثت في مسقط رأسه بمنطقة “عين الناقة” بمدينة بسكرة (عروس الزيبان).

“زهرة اللوتس” الجزائرية، التي نالت الجنسية الجزائرية في نهاية الستينيات واعتنقت الإسلام عن قناعة، لا تزال تحتفظ في ذاكرتها القوية بكل تفاصيل هذه الرحلة من فرنسا إلى جبال الكفاح، لتقدم لبيئتها الجديدة ثقافة شفهية تروى عبر الأجيال عن حب واكب التحرر والعقيدة.

بعد الاستقلال، بقيت الحاجة الزهرة على العهد، واختارت العيش رفقة زوجها في منطقة “تكوت”، مكرسة خيرة سنوات عمرها في خدمة الأهالي بالقطاع الصحي، حيث أحبها الصغير والكبير، بينما واصل زوجها حياته بتواضع كسائق في البلدية حتى تقاعده، تاركاً خلفه سيرة عطرة بروح مرحة أكسبته محبة الجميع.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram