ما قل ودل

حواضر وهران المنسية…الباهية تذرف دموع تاريخها المغيب

شارك المقال

في الوقت الذي يتسابق فيه العالم، والمصريون تحديداً، لإعادة اكتشاف وتثمين تاريخهم القديم الذي فتح لهم نافذة على سوق اقتصادية وسياحية تدر أرباحاً هائلة تضاهي في مداخيلها عوائد النفط، نجد أن ساعة المنطق في بلادنا تسير ببطء شديد.

فبينما يكتشف جيراننا كل يوم ألغازاً فرعونية جديدة تثبت سبقهم العلمي حتى في دراسة أخطار اليورانيوم، تبقى الآثار الجزائرية عرضة للإهمال والنسيان.

وتبرز مدينة وهران كعينة صارخة لهذا الواقع المرير الذي يكتنفه الغموض ولم يتم إماطة اللثام عنه بالشكل الكافي من قِبل الأكاديميين، باستثناء ثلة قليلة من الأساتذة الأجلاء من أمثال بومدين بوزيد والعربي بوعمامة، الذين برعوا في التأريخ للمدينة وحاولوا جاهدين بعث فترة فتح وهران الأول و الثاني التي أريد لها عمداً أن تطمس.

ونتيجة لهذا الفراغ الأكاديمي، بات الإرث المادي مطموراً ومغموراً يخفي أسراره في أعماق البحار وفي قفار البراري، مما جعل المواطن الجزائري يستمد ماضيه فقط مما كتبه غيره لأهداف خفية في نفس يعقوب.

وكما يُقال في الأثر فإن التاريخ يكتبه المنتصرون، بينما ينصاع المنهزم للواقع ويتأثر بالغالِب على حد تعبير العلامة عبد الرحمن بن خلدون.

لكن وإنصافاً للحق، وجب اليوم الوقوف وقفة إجلال مع رفع القبعة لما أضحت تتمتع به بعض أطياف المجتمع المدني والناشطين من حس وطني غيور، حيث باتوا بمعية بعض أساتذة التاريخ يدخلون عالماً كان ممنوعاً في السابق، وكشفوا اللثام عن وجه الباهية القديم وقلبوا فيه المواجع فكانت المصيبة أعظم بعدما نفضوا الغبار عن معالم يوازي تاريخها فترة الحاجب المنصور الذي ازدهرت في عهده دولة الأندلس الإسلامية.

لقد أسفرت هذه الجهود المدنية عن كشف محاريب وتجاويف ورسومات زخرفية على شاكلة المقرنصات الهندسية المشابهة لما يجود به قصر الحمراء، آخر معاقل بني الأحمر في غرناطة، و كل ذلك في قصبة وهران القديمة المنزوية في أحد أطراف حي سيدي الهواري الشعبي الشهير, وهو ما يحمل دلالة تاريخية خطيرة تعني أن هذه النماذج بُنيت في وهران قبل أن تقوم للحمراء قائمة في الأندلس.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قادت بعض المعاينات والتنقيبات إلى العثور على شواهد وقبور فينيقية، وهو اكتشاف نوعي كفيل بتغيير التأريخ لمدينة وهران رأساً على عقب، ويعيد رسم الخارطة الزمنية للحضارات التي توالت على المنطقة.

أمام هذه الحقائق، يطرح السؤال نفسه بقوة وإلحاح حول الأسباب الكامنة وراء الرغبة في طمس هذه المعالم، وتغييب فترات تاريخية مجيدة كفترة المرابطين والموحدين والمرينيين والزيانيين، أين كانت وهران منارة علمية وحاضرة فكرية أنجبت وعرفت قامات هزت العالم الإسلامي مثل ابن محرز الوهراني، وسيدي محمد بن عمر المعروف بالهواري، والشيخ إبراهيم التازي، فضلاً عن كونها محطة رئيسية أبو علم الصيدلة العالم الأندلسي الشهير ابن البيطار.

والإجابة الحتمية تقودنا إلى الاستعمار الفرنسي الذي اشتغل طويلاً على هذه الناحية لتعرية المنطقة من امتدادها التاريخي الإسلامي لإبقائها صماء بلا هوية، وزرع البصمة الأوروبية على محيّاها كأمر واقع.

لأجل ذلك كله، أصبح من الضروري فرض تزاوج حقيقي وتنسيق وثيق بين المجهود الأكاديمي والمبادرات الجمعوية لإعادة إخراج مدينة الباهية من رمادها، فالمسؤولية اليوم باتت أكثر من واجبة.

وإن البحث عن مدافن الشخصيات الخالدة التي صنعت مجد المدينة وحررتها، كالباي محمد بن عثمان الكبير، والشيخ إبراهيم التازي، والعلامة سيدي هيدور، ودادا أيوب، والبطل شعبان الزناقي، أضحى من أوجب الواجبات لإرجاع الهيبة والاعتبار لتاريخ فات، أو عفوًا، لتاريخ أريد له أن يُردم بفعل فاعل وحان الوقت ليعود إلى الضوء بقوة السواعد الجزائرية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram