لطالما حبست البشرية أنفاسها أمام المنعطفات التاريخية الكبرى التي تمنحنا شعوراً بأن العالم كان يمكن أن يكون مغايراً ومختلفاً تماماً عما هو عليه اليوم بفضل تفصيل صغير. ولعل أحد أبرز هذه المنعطفات يتجلى في الملحمة العسكرية للقائد القرطاجي الأسطوري حنبعل برقا (هنيبال)؛ ذلك العبقري الذي قاد جيوشه وفيلته عبر جبال الألب الشاهقة، متحدياً الطبيعة والبشر، ليدق أبواب روما ويزلزل أركان أقوى إمبراطورية في العالم القديم.
في الواقع، التفت حول حنبعل شعوب وقبائل شتى عانت من طغيان وظلم روما في شبه الجزيرة الإيبيرية وبلاد الغال، ليكبر جيشه ويتحول إلى إعصار كاسح حاصر العاصمة الرومانية بعد معارك تاريخية خالدة مثل “كاناي”. ولكن، ولولا حسابات السياسة المعقدة في قرطاج، والوشايات، والخيانة الداخلية التي حرمته من المدد في اللحظات الحواسم، لكانت روما قد أطيح بها عن بكرة أبيها. فماذا لو لعب حنبعل ورقة الانتصار المطلق بدل الهزيمة؟ وماذا لو سقطت روما ودخلها فاتحاً ليخلع إمبراطورها ويجلس على عرشه مكانه؟
الفيلة القرطاجية تقوم بترويض روما
في هذا السيناريو التخيلي المثير الذي آثرت جريدة “المقال” الغوص في ثناياه، لم يستمع حنبعل لنداءات التراجع، ولم تخذله حكومة قرطاج بالدعم. حيث نرى فيلق القرطاجيين يقتحم أسوار روما المنيعة، وتحت وطأة الصدمة والرعب، تنهار الدفاعات الرومانية الأخيرة. وسط ذهول العالم القديم، يدخل حنبعل “الفورم الروماني” مظفراً، محاطاً بفرسانه النوميديين الجزائريين الشجعان وحلفائه من القبائل المتمردة الذين أصبحوا يشكلون نواة جيشه العظيم.
هنا، لا يكتفي حنبعل حسب مخيل جريدة “المقال” بفرض شروط صلح مؤقتة، بل يقرر إنهاء التهديد الروماني للأبد؛ يدخل القصر الإمبراطوري ومجلس الشيوخ (السيناتور)، ويتم خلع قادة روما وإعلان زوال سلطتهم الحاضرة. وفي مشهد مهيب يغير وجه الجغرافيا السياسية، يجلس القرطاجي ابن شمال إفريقيا على العرش الإمبراطوري مستولياً على مقاليد حكم المتوسط.
حنبعل يغير الخريطة الجيوسياسية القديمة
لو تحقق هذا السيناريو، لاندثرت “الرومنة” التي نعرفها اليوم، وحلت محلها حضارة ذات طابع فينيقي-قرطاجي وبلمسات أفريقية ومتوسطية فريدة. وإليكم كيف كان سيتغير العالم:
-
قرطاج عاصمة الكون: بدلاً من أن تصبح روما مركز ثقل العالم القديم، كانت مدينة قرطاج (في تونس الحالية) ستتحول إلى القبلة السياسية والاقتصادية والثقافية الأولى، لتتحكم في خطوط التجارة البحرية من الشام إلى المحيط الأطلسي دون منازع.
-
إمبراطورية التسامح والتحالفات: على عكس روما التي قامت على إخضاع الشعوب بالقوة المفرطة واستعبادها، عُرف حنبعل بقدرته الفائقة على كسب الولاءات وحشد الشعوب المظلومة؛ لذا، كان جلوسه على العرش سيفرز إمبراطورية لامركزية تمنح حكماً ذاتياً واسعاً للقبائل الغالية، الأيبيرية، مما يقلل من الثورات الدموية, و كانت نوميديا القديمة سوف تصبح حليفته الأبدية و قوة عسكرية ندية و يكون للماصيل و الماصيصيل و إمبراطورية “سيقا” بقيادة سيفاكس شأن آخر, و كانت ستعرف منطقة الشمال الإفريقي الازدهار في شتى المجالات و تكون مربض الفكر التسامحي مما كان سيسهل استقبال آخر رسالة سماوية بكل رحبانية صدر منذ ولوجها لشمال إفريقية دون الحاجة إلى تلك المناوشات التي أكل عليها الدهر و شرب.
-
سيادة بحرية وتجارية غير مسبوقة: لقرون طويلة، برع الفينيقيون والقرطاجيون في الملاحة والتجارة؛ وبسقوط روما، كانت مواردهم ستوجه نحو استكشاف البحار وتوسيع الاستثمار التجاري بدلاً من الحروب التوسعية اللامتناهية، وربما كان اكتشاف العالم الجديد (الأمريكتين) سيحدث قبل أوانه بكثير بسفن قرطاجية.
خلع إمبراطور روما…انتصار المظلومين
إن خلع إمبراطور روما وجلوس حنبعل على عرشه يعني ببساطة أن “التاريخ سيكتبه المقاومون لا المستعمرون”. كانت قارة إفريقيا وحوض المتوسط سيشهدان نهضة علمية واقتصادية مبكرة ترتكز على إرث قرطاج التجاري ونبوغها الهندسي والملاحي.
لقد غيرت الخيانة مجرى التاريخ الحقيقي، وجعلت من روما إمبراطورية حكمت لقرون، لكن سيناريو انتصار حنبعل يظل يداعب مخيلة المؤرخين والمفكرين كأجمل “أمنية تاريخية”؛ أمنية لو تحققت، لكان عالمنا اليوم يتحدث بلغة أخرى، ويدين بالفضل لعاصمة شمال إفريقية قهرت المستحيل بأقدام فيلتها وحنكة قائدها الخالد.