عرف مقر الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية، احتضان مراسم تأبينية مهيبة للمجاهد والسفير الراحل نور الدين جودي، رئيس الجمعية وعميد الدبلوماسية الجزائرية، وسط حضور رسمي ورفيع المستوى لعدد من رجالات الدولة، وسفراء الدول الصديقة، ورفقاء درب الفقيد في الكفاح والنضال.
وقد خيّمت على القاعة أجواء من الحزن والمهابة، امتزجت بمشاعر الفخر والاعتزاز بمسيرة رجل “المعركتين”؛ الرجل الذي أفنى حياته في خدمة الوطن، جامعاً في مسيرته الاستثنائية بين حكمة الدبلوماسي وبأس المجاهد، متنقلاً من خنادق جيش التحرير الوطني إلى ردهات المحافل الدبلوماسية الدولية.
شهادات رسمية في حق “عميد الدبلوماسية”
شهدت التأبينية إلقاء كلمات رسمية استحضرت الخصال النبيلة للفقيد ودوره الريادي في بناء الدولة الوطنية:
-
وزير المجاهدين وذوي الحقوق، عبد المالك تاشريفت: استهل كلمته بالإشارة إلى أن هذا اللقاء يجمع بين ألم الفقد والاعتزاز بما قدمه الراحل للوطن، مؤكداً على ثراء وغنى المسار الذي سلكه الفقيد في الجهاد أولاً ثم في الدبلوماسية ثانياً، مستذكراً دوره المحوري في قيادة الدبلوماسية الجزائرية، لاسيما في القارة الإفريقية.
-
كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلف بالجالية الوطنية بالخارج، سفيان شايب: وصف الراحل بـ”عميد الدبلوماسية الجزائرية”، مسلطاً الضوء على دوره الفعال إبان الثورة التحريرية في تدويل القضية الجزائرية، وتمتين علاقات الأخوة مع الشعوب الإفريقية، بالإضافة إلى دوره الأكاديمي والتكويني داخل المعهد الدبلوماسي للعلاقات الدولية لنقل مبادئ السياسة الخارجية للجيل الصاعد.
-
الأمين العام للجمعية، بلقاسم نصر الدين: أكد أن رحيل الفقيد يُعد خسارة كبيرة للساحة الوطنية، مشيراً إلى أنه كان ينظر إلى الدبلوماسية كأمانة تاريخية وامتداد لروح الثورة، وأنه نجح في نقل الجمعية من دائرة الوفاء الرمزي إلى فضاء الفعل المؤسسي الهادف لصون الذاكرة الوطنية.
رجل القيم الإنسانية العابرة للحدود
شهد اللقاء مداخلات مؤثرة من شخصيات وطنية وثقافية رافقت الراحل:
المحامية فاطمة الزهراء بن براهم: استحضرت المواقف الإنسانية للراحل، معتبرة إياه سنداً حقيقياً، وأشادت بإتقانه للغات الإفريقية ومعرفته العميقة بالقارة، مما جعله جسراً متيناً بين الجزائر وعمقها الإفريقي.
الناقد السينمائي أحمد بجاوي: أكد أن جودي كان “رجل مقاومة وحوار وتفاهم” بامتياز، ساهم بقوة في إرساء معالم الدبلوماسية الجزائرية الأصيلة.
المجاهد رفيق الفقيد، نور الدين سد: استذكر كلمات الراحل حين كان يردد: “لا بد أن تجعلوا من ذاكرة هذه الأمة رسالة خالدة، بقلوب قيمها، وبقلوب أدبياتها، وبكل من قدم لهذا الوطن من جهد”، مؤكداً أن جودي كان يدافع عن قيم إنسانية خالدة وليس عن حدود جغرافية فقط.
وفي ختام التأبينية، وأمام إجماع الحاضرين على الخصال الاستثنائية للفقيد، تم رفع الستار عن لوحة رخامية تعلن رسمياً تسمية مقر الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية باسم الفقيد نور الدين جودي، تخليداً لذكراه.
رحلة كفاح بين السلاح والدبلوماسية
تاريخٌ حافل يختزل مسيرة مجاهد ودبلوماسي من طراز رفيع:
-
النشأة والتكوين: ولد الراحل سنة 1934، ودرس الأدب الإنجليزي بجامعة مونبلييه بفرنسا، قبل أن يواصل مساره الأكاديمي في بريطانيا بجامعات لندن.
-
النضال الثوري وتدويل القضية: انخرط مبكراً في النشاط السياسي لصالح جبهة التحرير الوطني ($FLN$)، وساهم في التعريف بالقضية الجزائرية في الخارج، خاصة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.
-
في صفوف جيش التحرير ($ALN$): التحق بصفوف جيش التحرير الوطني ضمن القاعدة الغربية بالمغرب، حيث عمل في مصالح المحافظة السياسية.
-
مدرّب نيلسون مانديلا: عُرف بدوره التاريخي في دعم حركات التحرر الإفريقية؛ حيث تولى شخصياً تدريب الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا على استعمال السلاح، وكان شاهداً على اللقاء التاريخي الذي جمع بين جبهة التحرير والمؤتمر الوطني الإفريقي ($ANC$).
-
المسار الدبلوماسي بعد الاستقلال: مَثّل الجزائر كأبرز سفرائها في عدة عواصم إفريقية استراتيجية منها: (نيروبي، لاغوس، دار السلام، لواندا، وبريتوريا)، مكرساً سياسة الجزائر الداعمة لحرية واستقلال دول القارة مثل أنغولا، موزمبيق، والكونغو.
-
وفاء حتى الأنفاس الأخيرة: ظل الراحل حتى سنواته الأخيرة مناضلاً شرساً في جبهة الذاكرة، حيث ترأس الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية مستكملاً رسالة نوفمبر المجيدة.