ما قل ودل

عيد أضحى بـطعم الشـهادة…ملحمة معركة الغوالم 1956

في الصورة نواة جيش التحرير من المجاهدين البواسل

شارك المقال

​في العاشر من ذي الحجة لعام 1375 هجري الموافق لـ 18 جويلية 1956 ميلادي، كان المسلمون في شتى بقاع الأرض يهّللون ويكّبرون استقبالاً لعيد الأضحى المبارك. لكن في جبال وهران الشامخة، وتحديدًا في ربوع سيدي غالم ببلدية طفراوي، كان للتكبير رنين آخر، وللتضحية معنى أعمق.

هناك، امتزجت دماء الشهداء بطهر أرض الأجداد، لتصنع جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني واحدة من أعظم وأشرس ملاحم الثورة الجزائرية المظّفرة.

​لم تكن معركة “سيدي غانم” مجرد اشتباك عابر، بل كانت مواجهة استراتيجية خطّط لها قادة المنطقة الخامسة -القطاع الوهراني- لكسر شوكة المستعمر الفرنسي وتأكيد سيطرة الثوار على الكتل الجبلية المحيطة بعاصمة الغرب الجزائري.

​في ذلك اليوم المشهود، وتحت قيادة ميدانية حكيمة لأبطال وهبوا أنفسهم للوطن، رابض مجاهدو جيش التحرير في مواقعهم، مستندين إلى حاضنة شعبية من رجال قبائل “الغوانم” الذين لم يبخلوا يوماً بالنفس والنفيس.

​مع خيوط الفجر الأولى، تحولت المنطقة إلى ساحة حرب حقيقية. لم يجد العدو الفرنسي بدًا من إنزال ترسانته العسكرية الثقيلة بعد أن تفاجأ بضراوة المقاومة وبسالة التخطيط الجزائري.

وقد حشد العدو أسراب من الطائرات الحربية المقاتلة والمروحيات التي قذفت نيرانها بلا هوادة، مدعومة بقوات برية مدججة بأحدث الأسلحة.

في المقابل، وبإمكانيات بسيطة ولكن بعزيمة ناطحت السحاب، واجه الثوار ورجال سيدي غانم هذا الهجوم الكاسح. اختلط في ساحة الوغى دخان القنابل بعبق البارود، وتعالت صيحات التكبير لتغطي على هسيس الطائرات وصهيل خيل الفرسان الذين أثبتوا أن الإرادة أقوى من الحديد والنار.

​”لقد كان مشهدًا ملحميًا، حيث تحول العيد عند أهل الأرض إلى طقوس من الفرح والبهجة، بينما صاغه رجال الغوانم عيدًا للشهادة والكرامة، مفّضلين التضحية بأرواحهم لتستنشق الجزائر نسيم الحرية.”

​كبدت معركة سيدي غالم قوات الاحتلال خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وأسقطت أسطورة “الجيش الذي لا يقهر” في ضواحي وهران. وفي المقابل، زفت المنطقة ثلة من خيرة أبنائها شهداء إلى جنات الخلد، ليرتوي تراب “الغوانم” بدماء زكية سّطرت ملامح الحرية المسترجعة في جويلية 1962.

​إن إحياء ذكرى 10 ذي الحجة 1375 هـ ليس مجرد سرد لحدث تاريخي، بل هو وقفة إجلال لجيل من العمالقة صهروا الحديد بالإيمان. ستبقى ملحمة سيدي غانم بوهران شاهدة على وعي وبسالة الشعب الجزائري، ومنارة تلهم الأجيال المتعاقبة لمعنى التضحية والوفاء لرسالة الشهداء الأبرار….​المجد والخلود لشهداء الجزائر الأبرار.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram