بعد استقلال الجزائر عام 1962، عاد النقاش في أوروبا حول التجربة الاستعمارية الفرنسية في شمال إفريقيا إلى الواجهة، ليس فقط بوصفه ملفاً سياسياً أو عسكرياً، بل بوصفه أيضاً سؤالاً فكرياً وثقافياً يتعلق بالدوافع العميقة التي حكمت الوجود الاستعماري في الجزائر لما زهاؤه قرن و إثنين و ثلاثين سنة.
في هذا السياق، تُنقل في بعض الكتابات والشهادات المنسوبة إلى محاضرات أكاديمية قديمة في أوروبا، رواية لافتة لمستشرق إسباني تحدث في مدريد، محاولاً تفسير سبب تمسك فرنسا بالجزائر رغم كلفة الاحتلال البشرية والاقتصادية. ووفق هذا الطرح، فإن الجزائر لم تكن مجرد أرض زراعية أو فضاء اقتصادي غني بالثروات الطبيعية، بل كانت تُقدَّم داخل بعض المخيال الاستعماري بوصفها “خط الدفاع الأول عن أوروبا”.
هذا التصور يقوم على فكرة أن شمال إفريقيا، وخاصة الجزائر، كان يُنظر إليه كحاجز جغرافي وحضاري يفصل أوروبا عن ما كان يُعتبر آنذاك “العالم الإسلامي”، وأن السيطرة عليه كانت تُبرَّر استراتيجياً باعتباره ضمانة أمنية تمنع أي تمدد محتمل عبر البحر المتوسط.
لكن الخطاب لا يتوقف عند البعد الأمني فقط، بل يمتد – وفق هذه الروايات – إلى استدعاء تاريخ طويل من الصراع في الذاكرة الأوروبية، خصوصاً ما يرتبط بفترة الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، أي الفتح الإسلامي للأندلس وما تلاه من تحولات انتهت بسقوط آخر معاقل المسلمين في الأندلس.
ومن هذا المنظور، يتم ربط الماضي بالحاضر عبر إسقاطات رمزية، حيث يُعاد استحضار معركة معركة بلاط الشهداء بوصفها لحظة فاصلة في التاريخ الأوروبي–الإسلامي، رغم أن المؤرخين اليوم يعتبرون أن هذه القراءات التبسيطية للصراع التاريخي لا تعكس تعقيداته السياسية والحضارية.
إن الفكرة التي تُطرح في هذا النوع من الخطاب، وهي أن الجزائر كانت “سور أوروبا”، تكشف أكثر عن الذهنية الاستعمارية الأوروبية في تلك المرحلة، منها عن حقيقة تاريخية ثابتة. فهي تعكس هواجس أمنية وثقافية كانت حاضرة في المخيال السياسي الغربي خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين كان الاستعمار يُبرَّر غالباً بلغة “الحماية” و”الوقاية” من تهديدات مفترضة أو محتملة.
غير أن القراءة التاريخية الحديثة تميل إلى تفكيك هذه السرديات، وتؤكد أن الوجود الاستعماري في الجزائر كان مرتبطاً أساساً بعوامل اقتصادية واستراتيجية وتنافس دولي بين القوى الأوروبية، أكثر من كونه استجابة لتهديد حضاري مباشر.
كما أن تحويل التاريخ إلى “صراع حضارات دائم” بين ضفتي المتوسط يغفل حقيقة أن العلاقات بين الضفتين كانت عبر قرون طويلة قائمة على التبادل التجاري والثقافي، إلى جانب فترات الصراع والحرب، دون أن تكون هناك مواجهة خطية ومستمرة كما تصفها بعض الخطابات الإيديولوجية.
في النهاية، تبقى مثل هذه الروايات جزءاً من ذاكرة متشابكة بين التاريخ والأسطورة السياسية، تعكس كيف يمكن أن يُعاد توظيف الماضي لتفسير الحاضر أو تبرير مواقف معينة. غير أن مهمة البحث التاريخي الجاد تظل في تفكيك هذه السرديات وإعادة وضعها في سياقها الحقيقي، بعيداً عن التوظيف الأيديولوجي أو التبسيط المخل للتاريخ.