في زحمة الحياة وضجيج الذنوب، تبقى قصص التوبة والعودة إلى الله من أكثر الحكايات تأثيراً في النفوس، لأنها تذكّر الإنسان بأن أبواب الرحمة الإلهية لا تُغلق مهما ابتعد العبد أو أثقلته الأخطاء.
وإذا كانت كتب السيرة والتاريخ الإسلامي مليئة بقصص الصحابة والسلف الصالح الذين غيّرت الهداية مسار حياتهم، فإن الزمن المعاصر بدوره لا يخلو من روايات يراها الناس أشبه بالنفحات الربانية والرسائل التي يبعثها الله لعباده في الوقت الذي يشاء.
ومن بين القصص التي ظلّ أهل وهران يتداولونها لسنوات طويلة، حكاية غامضة تعود – حسب روايات متناقلة – إلى ثمانينيات القرن الماضي، بطلها رجل بسيط قيل إنه نال بشارة عظيمة رغم أن حياته لم تكن مستقيمة بالكامل.
وتبدأ القصة، كما يرويها بعض من تناقلوها، مع أحد الحجاج الوهرانيين الذي كان يؤدي مناسك الحج بالبقاع المقدسة، قبل أن يرى في منامه صوتاً يأمره، بعد عودته إلى الجزائر، بالبحث عن شخص يسكن بمنطقة السانيا وتبشيره بأن له مكانة عظيمة عند الله.
الرجل استيقظ مذعوراً من وقع الرؤيا، لكنه مع العودة إلى أرض الوطن والانشغال بأمور الحياة نسي الأمر تماماً، إلى أن عاد له الصوت مرة أخرى يذكّره بالأمانة التي كُلّف بها.
وهنا شعر الحاج أن الأمر لم يعد مجرد حلم عابر، بل رسالة لا بد من تبليغها، خاصة وأن الرؤيا كانت دقيقة حتى في وصف اسم الرجل والحي الذي يسكنه.
وبعد رحلة بحث طويلة في أحياء السانيا، فوجئ الرجل بأن الناس يعرفون الشخص المقصود جيداً، لكن ليس بصفاته الدينية، بل بكونه رجلاً اعتاد ارتياد الحانات وشرب الخمر، رغم شهادة الجميع له بحسن الأخلاق وطيب المعاملة.
ازدادت حيرة الحاج وهو يتساءل: كيف يمكن لرجل بهذه الصفات أن يُذكر اسمه في رؤيا تحمل بشارة عظيمة؟
لكن المفاجأة الكبرى جاءت حين جلس معه وسأله عن عمل صالح قام به مؤخراً، فاسترجع الرجل قصة حدثت له عشية عيد الأضحى.
إذ اشترى كبشاً كبيراً كعادته كل سنة، غير أن الأضحية هربت منه لحظة إنزالها من السيارة، لتدخل فجأة إلى بيت عائلة فقيرة. وهناك، شاهد أطفال المنزل وهم يهللون فرحاً بالكبش وكأنه هدية نزلت عليهم من السماء.
وعندما علم الرجل أن تلك العائلة لم تذق فرحة الأضحية منذ سنوات بسبب الفقر، قرر دون تردد أن يترك الكبش لهم ويشتري أضحية أخرى لعائلته.
حينها فقط فهم الحاج سر الرؤيا، وأدرك أن الله قد يرفع عبده بعمل خالص لا يراه الناس عظيماً، لكنه عند الله كبير.
وتقول الرواية إن الرجل بكى طويلاً بعد سماعه البشارة، وتعهد بأن يغيّر حياته ويبتعد عن طريق المعاصي، باحثاً عن طريق التوبة والهداية.
ورغم مرور السنوات، بقيت هوية هذا الرجل مجهولة بالنسبة لكثير من سكان وهران، لتظل القصة واحدة من أكثر الحكايات تداولاً في مجالس الحديث عن التوبة والرحمة الإلهية.
ويبقى المغزى الأعمق من هذه الرواية أن الهداية ليست حكراً على أحد، وأن الله وحده يعلم ما في القلوب، فقد يفتح باب رحمته لعبد بسبب عمل صغير أخلص فيه النية، بينما يظنه الناس بعيداً عن طريق الصلاح.
وفي أيام الرحمة والمغفرة، تبقى مثل هذه القصص تذكيراً بأن العودة إلى الله ممكنة دائماً، وأن باب التوبة لا يُغلق ما دام القلب ينبض بالحياة.