ما قل ودل

ندوة علمية بمناسبة المئوية التاسعة لميلاد أبو الوليد ابن رشد…ماذا نستفيد اليوم من ابن رشد؟؟

شارك المقال

بقلم أ.د. عبد القادر بوعرفة

ارتأينا أن ننطلق في ندوتنا من الفكرة الآتية: “عند استحضار أي شخصية تراثية لابد أن نتعلم منها كيف نفكر لا أن نتركها تفكر لنا، وأن نفكر معها لا أن نفكر مثلها”. وهذا يعني أن استحضار ابن رشد اليوم لا يعني بالضرورة استحضاره من أجل أن يفكر لنا، بل يجب أن نجعل مما كتب وأنتج موضوعاً نفكر به لحل مشاكلنا الراهنة ومآسينا المتلاحقة…، إننا نقولها بكل بساطة: لقد انتهى زمن ابن رشد…

فهل يمكن أن نتقدم بالرجوع إلى نمطية فكرية تنتمي إلى عصر الانحطاط؟

وهل يمكن أن نُحدث التقدم من خلال فلسفة ابن رشد وعقلانيته؟؟

وهل يُعقل أن يحقق ابن رشد المُعاد ما عجز عنه ابن رشد في عصره؟؟

أم أن ابن رشد مجرد أغلوطة أيديولوجية؟؟ وبعبارة صريحة: ماذا نستفيد من ابن رشد اليوم، وخاصة في القول السياسي الذي هو موضوعنا بالأخص؟؟

أورد أولفر ليمان (Oliver Leaman) دراسة عنوانها (ماذا بقي من فلسفة ابن رشد؟). وهو سؤال مشروع من الناحية الإبستيمولوجية والتاريخية، فالرجل يعتبر من حيث منطق التطور التاريخي مجرد تراث، وماضٍ ملتصق إلى أبعد الحدود بفترة زمنية ارتبط وجودها بأفول الحضارة الإسلامية في المشرق والمغرب، وبالتالي فهل بقي شيء يمكن أن نستفيد منه من تراث ابن رشد؟

1- الغرض من قراءة ابن رشد ليس من باب أن يكون مفكراً ومنظراً لنا، وأن نطبّق اجتهاداته ومناهجه على حاضرنا، بل الغرض من كل قراءات ابن رشد محاولة التفكير من خلاله بوصفه معلماً في مشكلات حاضرنا.

2- إن عملية التفكير من خلال ابن رشد لا تعني بالضرورة إعادة إنتاج نصوصه واقتباسها، بل محاولة إنتاج نص جديد غير رشدي، لكنه من وحي المساءلة الرشدية، ونعني بذلك أن “العبرة” التي تحدّث عنها القرآن الكريم وربط وجودها المفاهيمي بالماضي والشخصية الغابرة.

3- عدم الوقوع في النمطية، ونقصد بذلك التَّحرر من ابن رشد المُهيمن، الذي يمارس على الباحث منهجه ونصه ومقصده.

4- إن استدعاء ابن رشد يجب أن يكون من منطق وضعه كشخصية افتراضية، نفترض وجوده في عصرنا لكي نفكر من خلاله في قضايانا المعاصرة، فيكون هو الحاضر المُفَكر من خلاله وأنا المُفكِر، هو السائل وأنا المجيب، هو المُفترض وأنا المفسر، هو المُشكك وأنا المُتيقن، هو الصورة وأنا المبدع، هو النّص وأنا كاتبه ومؤوله.

5- إن الاستفادة من ابن رشد لا بد أن تُربط بالقصد والغاية، ونعني بذلك أنه من المهم بمكان أن نصارح الذات بطبيعة العلاقة مع ابن رشد، ولِمَ أحاول استدعاء ابن رشد؟

6- ضرورة الاعتقاد بأن ابن رشد في حاضرنا لا يمكن أن يُحدث التقدم أو يحل مشاكلنا، لا منهجه العلمي ولا نصه التراثي، فالتقدم ومعالجة القضايا تتم وفق إبداع نص يتماشى وعصرنا، ويتناغم وروحه، ويكون من إنتاج أبناء القرن والعصر.

7- التحرر من فكرة أن الغرب تقدم بفضل الرشدية وحلقات التنوير التي ساهم ابن رشد في قسط من وجودها، فالغرب تقدم لأنه استطاع من خلال الآخر أن يعي تخلفه.

8- التحرر من وهم أن ابن رشد انتصر على مشكلات عصره، بل الحقيقة أن فلسفة ابن رشد لم تستطع أن تُغير من ثقافة عصره أي شيء، لأنها نبتت في بيئة متخلفة عن فكره، ففكره من الناحية التاريخية لم يستطع أن يُغير من مسار الفلسفة الإسلامية والدولة الأندلسية شيئاً مذكوراً.

إن ابن رشد فشل واقعيًّا في حل مشكلات عصره وإن نجح في تحليلها فلسفيًّا،

لكن فيمَ نستفيد اليوم من ابن رشد؟؟

1- في طريقة توظيف الآخر

يبدو أن السلف (المعنى التاريخي) كان أكثر وعياً منا في توظيف رموز الثقافة والفكر، ولم يجد حرجاً في تقديم أو شرح كتب الأقدمين، وإن وجدت بين الفينة والأخرى معارضة من قبل الفقهاء وأشباه المتعلمين. لكن بالرغم من ذلك كان توظيف الآخر يدخل دوماً في تركيب البنية الثقافية للدولة.

2- في طريقة إبداع المفاهيم

لم يكن ابن رشد مجرد شارح للنصوص الفلسفية، وناقلاً لمصطلحاتها، لقد كان يعمل في كل شرح على إبداع المصطلحات والمفاهيم، فمن دليل الاختراع، ودليل العناية إلى إبداع المفاهيم السّياسية، فمصطلح وحداني التسلط أبدعه من حيث مشاهدته ومعايشته للملك المنصور.

3- في طريقة نقد الأنظمة

لم يكن الفكر السياسي جريئاً على اتخاذ مواقف نقدية من الأنظمة الحاكمة في الدولة الإسلامية، ولم يكن المفكر منخرطاً في عملية نقد السلطة باستثناء طائفة من المفكرين الذين اختاروا طريق التستر أسلوباً كإخوان الصفا. لكن مع ابن رشد نجد مفكراً يمارس عملية النقد، ويشير إلى الزمان والمكان، ويحدد المَعْنى بالأمر بالذَّات والصفات.

أ- نقد وحداني التسلط:

ب- نقد سلطة البيوتات

ج- نقد النظام الديموقراطي: إن أهم ما يمكن أن نستفيده من ابن رشد نقده لنظام الحكم الجماعي المسمى في عصرنا بالديموقراطية، أي حكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه، والنقد الرشدي عندما نحلله نجده ينطبق اليوم على واقعنا المعاصر، فالديموقراطية في البلدان العربية هي ديموقراطية تحمل نصف الشر كما تحمل نصف الخير

4- في طريقة بناء المنظومة التربوية

إن جل المشاريع الإصلاحية والتحديثية لم تستطع لحد الساعة بلورة مشروع تربوي متميز، يستمد جذوره من ثقافة شعبه وينخرط في بلازما الثقافة المعاصرة انخراطاً حيويًّا. إن ابن رشد يُعلمنا من خلال الضروري في السّياسة كيف نستفيد من مشاريع الآخر التربوية، وكيف يُمكن تبيئتها.

5- في طريقة نقد الحركات الإسلامية

لقد دأب ابن رشد على نقد مُتكلِّمة عصره، وألَّف في ذلك كتاب فصل المقال ومناهج الأدلة في كشف عقائد الملّة، ونقده للمتكلمة من حيث كونهم غالوا في الاعتقاد، وفرّقوا الأمة شيعاً وأحزاباً، وأدخلوا في الدين ما ليس فيه أصلاً، وألزموا به غيرهم كرهاً كما فعلت المعتزلة زمن المأمون والأشعرية زمن ابن تومرت، ومن هنا يمكن أن نستفيد من ابن رشد من خلال التفكير في ظاهرة الحركات الإسلامية المعاصرة التي تكاد تلعب الدور نفسه الذي لعبه أصحاب مدارس علم الكلام.

6- في الجرأة على إبداء الرأي والموقف

والاستفادة العظمى في رأينا تكمن في وضع ابن رشد كنموذج للمفكر الحر الذي يقول آراءه ومواقفه بكل حرية، وتكون له الجرأة على قول الحقيقة.

7- الحفاظ على استقلالية المفكر

إن إشكالية المثقف في عصرنا غالباً ما ترتبط بالانتماء السياسي أو الثقافي، حتى بات التَّسليم أنه لا يوجد مثقف في العالم العربي والإسلامي يملك استقلالية فكرية، أو يضع نفسه في خانة المنتمي للحق والحقيقة. إن ابن رشد كان مثال المفكر الذي رغم شرحه لأرسطو وأفلاطون يظل وفيًّا لذاته.

8- إحياء العقلانية الرشدية

قبل أن نعطي للعقلانية الرشدية بُعدها الحقيقي في عملية تحديث وتنوير المجتمع العربي، نود أن نلفت الأنظار إلى مسألة استخدام العقل العمومي عند ابن رشد، ولا نعني بالعقل العمومي عقل الجمهور، فابن رشد وضع منذ البداية قطيعة إبستيمية بين العلماء والعوام.

إن فكرة الاستنجاد بابن رشد تتجه نحو النكوص الحضاري، فعندما يجتمع جهابذة الأمة ويعلنون بالإجماع حاجتهم إلى ابن رشد، ندرك أن الذات العربية لازالت تعيش حالة السبات الحضاري، إن بَيَان كُتّاب العرب التالي ذكره، يعكس العطالة الفكرية في العالم العربي: “إننا في هذه الأيام في أشد الحاجة إلى روح العقل، روح التنوير الروح التي تجلت في فلسفة ابن رشد”

سنختم الموضوع بوجهة نظر قد لا يقبلها كثير من أنصار الرشدية المعاصرة، وتتمثل في الدعوة إلى تجاوز ابن رشد تجاوزاً معرفيًّا لا تاريخيًّا، فيكفي عبر تاريخنا الاستنجاد وتكرار صرخة: وامعتصماه.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram