ما قل ودل

سلالة كباش “الدغمة”…الحل لإنقاذ عيد الأضحى من الغلاء

شارك المقال

مع اقتراب كل عيد أضحى، يعود الجدل ذاته إلى الشارع الجزائري عن الأسعار الخيالية للخرفان، وشكاوى لا تنتهي من الموّالين حول الجفاف وغلاء الأعلاف والتبن وارتفاع تكاليف التربية، حتى بات اقتناء أضحية العيد يشكل عبئاً حقيقياً على الكثير من العائلات الجزائرية.

وفي خضم هذا الواقع، عاد مختصون ومربون وبياطرة إلى طرح سؤال قديم جديد: لماذا اختفت سلالة “الدغمة” الجزائرية من الأسواق رغم ما كانت تتمتع به من جودة ووفرة وقدرة على التكيف مع الطبيعة المحلية؟

فـ”الدغمة”، كما يروي كبار السن والمهتمون بتربية المواشي، لم تكن مجرد سلالة عادية من الأغنام، بل كانت جزءاً من الذاكرة الريفية الجزائرية، ورمزاً للجودة والقيمة الغذائية العالية، سواء من حيث اللحم أو الشحم، حتى أن اسمها ارتبط قديماً بأعياد الأضحى الجزائرية الأصيلة.

وحسب روايات متداولة بين المربين، فإن الاستعمار الفرنسي كان يدرك جيداً القيمة الاقتصادية لهذه السلالة، إلى درجة أنه استغل خطوط السكك الحديدية التي ربطت مناطق الجنوب الغربي بالموانئ من أجل نقل مئات الآلاف من رؤوس “الدغمة” نحو أوروبا خلال الحقبة الاستعمارية.

وتشير بعض التقديرات التاريخية إلى أن ملايين الرؤوس من هذه الأغنام تم تصديرها بسبب جودة لحومها المطلوبة عالمياً، خاصة وأنها كانت تُعرف بقدرتها الطبيعية على التسمين اعتماداً على المراعي فقط، دون الحاجة إلى تكاليف مرتفعة في الأعلاف والتغذية الصناعية.

ويؤكد مختصون أن “الدغمة” كانت تمثل نموذجاً اقتصادياً مثالياً للمربي الجزائري، إذ تمتاز بالخصوبة العالية وسرعة التكاثر، فضلاً عن قدرتها الكبيرة على التأقلم مع الظروف المناخية الصعبة في السهوب والمناطق الجافة.

لكن هذه السلالة، التي كانت يوماً ثروة وطنية حقيقية، تعرضت مع مرور الزمن إلى التراجع والاندثار بسبب عوامل متعددة، من بينها التهريب العشوائي، الإهمال، ضعف برامج الحماية، إضافة إلى غياب سياسة واضحة للحفاظ على السلالات المحلية الأصيلة.

ورغم ذلك، لا يزال بعض المربين في مناطق من غرب الجزائر، خاصة بنواحي سعيدة، يحافظون على ما تبقى من هذه السلالة، في محاولة لإنقاذ جزء من الموروث الفلاحي الجزائري من الزوال.

ويرى متابعون أن إعادة بعث مشروع “الدغمة” قد يشكل حلاً استراتيجياً مستقبلياً لتخفيف أزمة أسعار الأضاحي، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن ضرورة تحقيق الأمن الغذائي وتشجيع السلالات المحلية الأقل تكلفة والأكثر تكيفاً مع البيئة الجزائرية.

كما يعتقد كثيرون أن دعم المربين المهتمين بالحفاظ على هذه السلالة قد يكون استثماراً وطنياً حقيقياً، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل أيضاً من زاوية حماية التراث الحيواني الجزائري وإعادة الاعتبار لثروات محلية ظلت لسنوات طويلة مهمشة أو منسية.

ويبقى السؤال مطروحاً…هل تعود “الدغمة” يوماً إلى الواجهة لتعيد التوازن إلى سوق المواشي في الجزائر، أم أن هذه السلالة ستبقى مجرد ذكرى يرويها الشيوخ عن زمن كانت فيه الأضحية في متناول الجميع؟

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram