ما قل ودل

إرث الأمير عبد القادر لا يزال يلهم الأجيال…الجزائري الذي قاوم الاستعمار وصنع التاريخ

شارك المقال

وقف الشعب الجزائري ككل عام وقفة إجلال و خشوع مستذكرين تاريخ يوم السادس والعشرين ماي من كل عام التي تتزامن مع الذكرى الـ143 لوفاة الأمير عبد القادر ، الرجل الذي ارتبط اسمه بالمقاومة والجهاد وبناء الدولة الحديثة، حتى أصبح رمزاً وطنياً خالداً في ذاكرة الجزائريين والأمة العربية والإسلامية.

وُلد الأمير عبد القادر سنة 1808 بمنطقة القيطنة قرب معسكر، وسط بيئة علمية ودينية داخل الزاوية القادرية التي كان يشرف عليها والده الشيخ محي الدين، حيث نشأ على حفظ القرآن الكريم وطلب العلم، وتتلمذ على أيدي علماء ومشايخ بارزين بمنطقة الغرب الجزائري، خاصة بمدينة وهران، فدرس الفقه والأدب والتاريخ والفلسفة والعلوم الدينية، ما جعله يجمع منذ شبابه بين العلم والفروسية والحنكة السياسية.

ومع بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830، برز اسم والده محي الدين كأحد قادة المقاومة الشعبية، غير أن تقدمه في السن دفع القبائل إلى مبايعة ابنه عبد القادر لقيادة الجهاد ضد الاستعمار، وذلك سنة 1832 خلال تجمع تاريخي لقبائل الغرب الجزائري قرب معسكر.

وقد خلد التاريخ كلمات والده الشهيرة عندما رشحه للقيادة قائلاً: “ولدي عبد القادر شاب تقي، فطن صالح لفصل الخصوم…”، في شهادة تعكس المكانة التي كان يحظى بها الأمير منذ شبابه بين القبائل والعلماء.

وفي مشهد تاريخي مهيب، اجتمعت القبائل والأعيان والعلماء تحت شجرة “الدردارة” بوادي فروحة بغريس، حيث تمت مبايعة الأمير عبد القادر على السمع والطاعة، ومنحه لقب “ناصر الدين”، ليبدأ بذلك تأسيس أول نواة للدولة الجزائرية الحديثة.

وقد استطاع الأمير خلال سنوات قليلة توحيد القبائل وتنظيم مؤسسات الدولة وبناء جيش قوي، كما عمل على إرساء قواعد الإدارة والقضاء والمالية، في تجربة سياسية وعسكرية سبقت عصرها في المنطقة المغاربية.

وخاض الأمير عبد القادر معارك شرسة ضد قوات الاحتلال الفرنسي، أبرزها معركة المقطع التي حقق فيها انتصاراً مدوياً على الجيش الفرنسي، إضافة إلى معركة سيدي إبراهيم التي تكبدت فيها القوات الفرنسية خسائر فادحة، وسقط خلالها عدد كبير من الضباط والجنود الفرنسيين.

ورغم المقاومة الشرسة التي قادها لسنوات طويلة، وقع الأمير عبد القادر في الأسر بعد ظروف عسكرية وسياسية معقدة، ليُنقل إلى عدة سجون بفرنسا، منها طولون وأمبواز، قبل أن يفرج عنه سنة 1852.

وبعد خروجه من الأسر، انتقل إلى تركيا حيث أقام بمدينة بورصة، ثم استقر نهائياً بمدينة دمشق، وهناك واصل نشاطه العلمي والفكري والإنساني، واكتسب احترام العالم بفضل مواقفه النبيلة، خاصة في حماية المسيحيين خلال أحداث دمشق سنة 1860.

وفي السادس والعشرين ماي 1883، توفي الأمير عبد القادر بدمشق، بعد مسيرة حافلة بالنضال والعلم والحكمة، قبل أن يُعاد رفاته إلى الجزائر سنة 1965 ليدفن بمربع الشهداء في مقبرة العالية.

ويبقى الأمير عبد القادر إلى اليوم واحداً من أعظم الشخصيات في التاريخ الجزائري والعالمي، ليس فقط باعتباره قائداً للمقاومة، بل أيضاً كرجل دولة ومفكر وإنسان حمل قيم التسامح والكرامة والسيادة، وترك إرثاً لا يزال يلهم الأجيال المتعاقبة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram