ما قل ودل

بأي حال عدت يا عيد…والأمة بين التحريش و التطبيع والاقتتال

شارك المقال

يحلّ عيد الأضحى المبارك هذا العام على أمة عربية وإسلامية مثقلة بالجراح، في زمن اختلطت فيه الأصوات، وتفرقت فيه الصفوف، حتى صار المسلم يشعر بالغربة بين أبناء جلدته قبل أعدائه.

بأي حال عدت يا عيد، والأمة التي كانت يوماً عنواناً للوحدة والكرامة، أصبحت تتنازعها الانقسامات العرقية والمذهبية والسياسية؟ بأي حال عدت يا عيد، وبعض الدول التي تنتمي إلى الجسد الإسلامي باتت تتحالف علناً مع الكيان الصهيوني، ضمن حسابات ضيقة ومصالح مؤقتة زادت المنطقة توتراً وفتناً؟

ففي الوقت الذي لا تزال فيه أراضٍ عربية وإسلامية ترزح تحت الاحتلال، تنشغل بعض الأنظمة بصراعات جانبية، وتوجه سهامها نحو جيرانها بدل توحيد الصفوف, تحتل رقع جغرافية لبني قومها, وكأن العدو الحقيقي لم يعد هو من يحتل الأرض ويدنس المقدسات، بل أصبح الشقيق الذي يختلف سياسياً أو مذهبياً أو حتى جغرافياً.

بأي حال عدت يا عيد، وغزة ما تزال تنزف تحت القصف والحصار والدمار؟ أطفال يقتلون، ونساء يشرّدن، وعائلات تُباد أمام أعين العالم، بينما يكتفي كثيرون ببيانات الشجب أو بحسابات المصالح الضيقة.

لقد كانت الأمة الإسلامية في زمن مضى تهتز لصوت امرأة صرخت “وامعتصماه”، أما اليوم فقد صار المشهد أكثر قسوة، إذ باتت المآسي تُنقل مباشرة بالصوت والصورة، دون أن يتحرك الضمير العربي الإسلامي قبل العالمي بما يكفي لوقف النزيف.

والمؤلم أكثر أن بعض من يفترض أنهم ينتمون إلى هذه الأمة أصبحوا يضيّقون على إخوانهم بدل احتضانهم، ويشاركون – بشكل مباشر أو غير مباشر – في تعميق الانقسامات وإشعال نار الفتن التي لا تُبقي ولا تذر.

ومع ذلك، يبقى العيد مناسبة للأمل قبل كل شيء. فرغم هذا الواقع المثقل بالألم، لا يزال في الأمة خير كثير، ولا تزال الشعوب تحتفظ بوجدانها الحي، وبإيمانها بأن الوحدة والعدل والكرامة ليست مجرد شعارات، بل أهداف يمكن أن تعود يوماً إذا صدقت النوايا وتحررت الإرادات.

إن عيد الأضحى ليس فقط طقساً دينياً أو مناسبة اجتماعية، بل هو رسالة تضحية وإيثار ووحدة. هو تذكير بأن الأمة التي تتشارك القبلة والكتاب والرسالة، لا يليق بها أن تبقى أسيرة التمزق والكراهية والصراعات العبثية.

ورغم كل الجراح، يبقى الأمل قائماً بأن يكون هذا العيد بداية لصحوة ضمير، ومراجعة صادقة، وعودة إلى جوهر القيم التي جمعت المسلمين عبر التاريخ.

فكل عام والأمة الإسلامية بخير، وكل عام والحرية أقرب للمظلومين، وكل عام والإنسانية تنتصر على الظلم والفرقة والكراهية.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram