ما قل ودل

الدكتور محمد بن بريكة…عنوان المرجعية الدينية الجزائرية

شارك المقال

تزخر الجزائر عبر تاريخها برجالات علم وعرفان تركوا بصماتهم في ميادين الفكر والدين والتربية، ومن بين أبرز هذه القامات المعاصرة يبرز اسم الدكتور الشيخ محمد بن بريكة، الذي يعد واحداً من أهم الوجوه العلمية والصوفية التي أسهمت في الدفاع عن المرجعية الدينية الجزائرية وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال.

وُلد الشيخ محمد بن بريكة سنة 1958 بمدينة الدوسن بولاية بسكرة، وسط بيئة عُرفت بالعلم والتصوف وحفظ القرآن الكريم، حيث نشأ داخل بيت ارتبط بالزوايا والسلوك الروحي، ما جعله يتشبع منذ طفولته بقيم التربية الدينية والأخلاقية والارتباط بالهوية الوطنية الأصيلة.

وينتمي الراحل إلى البوازيد الأدارسة، وهم من الأشراف الحسنيين الذين يعود نسبهم إلى الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما، وهي خلفية روحية وعلمية انعكست على شخصيته ومساره الفكري لاحقاً.

وقد جمع الشيخ الراحل بين التعليم التقليدي والتعليم الأكاديمي الحديث، فبدأ مساره بحفظ القرآن وتلقي العلوم الشرعية في الكتاتيب والزوايا، قبل أن يلتحق بالجامعة ويتخصص في الفلسفة الإسلامية والتصوف ومقارنة الأديان، ليصبح لاحقاً واحداً من أبرز المتخصصين في التصوف الإسلامي داخل الجامعة الجزائرية.

وحصل الدكتور محمد بن بريكة على شهادة دكتوراه الدولة بتقدير مشرف جداً، ثم ارتقى إلى رتبة أستاذ التعليم العالي بجامعة الجزائر، حيث أشرف على عشرات الرسائل الجامعية وساهم في تكوين أجيال من الباحثين والطلبة في مجالات العقيدة والتصوف والفكر الإسلامي.

كما عُرف الراحل بحضوره العلمي داخل المؤتمرات والملتقيات الوطنية والدولية، حيث مثّل الجزائر في العديد من المحافل الفكرية والدينية المتعلقة بحوار الأديان والتصوف السني وقضايا الوسطية ومكافحة التطرف.

وشغل الشيخ محمد بن بريكة عدة مناصب أكاديمية وعلمية، من بينها رئاسة المجلس العلمي لجامعة خروبة للعلوم الإسلامية، إضافة إلى عضويته في لجان إصلاح المناهج الجامعية خلال تسعينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت تحديات فكرية وأمنية كبيرة في الجزائر.

وبرز اسم الراحل بشكل خاص كأحد المدافعين عن المرجعية الدينية الجزائرية القائمة على العقيدة الأشعرية والفقه المالكي والتصوف السني المعتدل، حيث واجه التيارات المتشددة والأفكار التكفيرية الوافدة، داعياً إلى ترسيخ خطاب ديني يقوم على الحكمة والتوازن ووحدة المجتمع.

كما ساهم في إعادة الاعتبار للزوايا والتصوف داخل الفضاء الأكاديمي، مؤكداً أن التصوف الحقيقي ليس انعزالاً عن المجتمع، بل مدرسة لتزكية النفس وبناء الإنسان والدفاع عن القيم الروحية والوطنية.

وخلف الشيخ الراحل رصيداً فكرياً مهماً من المؤلفات والبحوث العلمية، من أبرزها كتاب “التصوف الإسلامي: المفهوم، المدارس والأعلام”، إضافة إلى دراسات حول الزوايا الجزائرية ودورها في الحفاظ على الهوية الوطنية ومقاومة الاستعمار الفرنسي.

وعُرف الدكتور محمد بن بريكة أيضاً بإطلالاته الإعلامية الهادئة ولغته العربية الراقية، حيث استطاع تبسيط المفاهيم الفكرية والتربوية لعامة الناس بأسلوب جمع بين العمق والوضوح.

وبرحيله، فقدت الجزائر أحد أبرز وجوهها العلمية والروحية المعاصرة، غير أن إرثه الفكري والتربوي سيظل حاضراً في ذاكرة طلبته ومحبيه وكل المهتمين بالفكر الإسلامي الوسطي والتصوف السني المعتدل.

رحم الله الدكتور الشيخ محمد بن بريكة، وجعل علمه وعطاءه في ميزان حسناته، وأبقى أثره منارة تهتدي بها الأجيال القادمة.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram