في كل مرة يبرز فيها اسم جزائري في جامعة عالمية أو مركز بحث دولي مرموق، تتجدد لدى الجزائريين مشاعر الفخر والاعتزاز بأبناء وطن استطاعوا بفضل العلم والاجتهاد أن يفرضوا أسماءهم في أكبر المؤسسات العلمية عبر العالم.
ومن بين هذه النماذج المشرّفة يبرز اسم الباحث الجزائري عبد القادر لعطاب، الذي تمكن من المساهمة في تطوير أنظمة محاكاة المفاعلات النووية داخل أحد المراكز البحثية المتخصصة في أستراليا، وهي تقنيات متقدمة تستعمل في مجالات البحث العلمي والطاقة والتكوين الهندسي، كما استفادت منها مؤسسات وجهات دولية عديدة.
غير أن ما يلفت الانتباه في قصة هذا الباحث ليس فقط نجاحه العلمي، بل تعلقه بوطنه واستعداده لخدمته متى احتاج إليه. فعندما سُئل من طرف اليوتبير الرحالة الجزائري “مهدي شطاح” الذي يقوم بعمل توعوي رهيب لفائدة الجالية الجزائرية في الخارج عمّا إذا كان بإمكانه مساعدة الجزائر بخبرته، جاء جوابه عفوياً وصادقاً: “إذا كانت الجزائر تحتاجني فسأساعدها دون مقابل”.
هذا النوع من المواقف يؤكد أن الهجرة العلمية لا تعني بالضرورة القطيعة مع الوطن، فالكثير من الكفاءات الجزائرية المنتشرة عبر العالم ما تزال تحمل الجزائر في وجدانها، وتتابع تطوراتها، وتبدي استعدادها للمساهمة في نهضتها كلما توفرت الظروف المناسبة.
ولعل من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن العلماء الذين يدرسون أو يعملون في الخارج فقدوا ارتباطهم ببلادهم. فالتجارب الدولية الناجحة تثبت العكس تماماً. فالصين، التي أصبحت اليوم قوة علمية واقتصادية كبرى، اعتمدت لسنوات طويلة على أبنائها الذين درسوا في الجامعات الغربية قبل أن تستقطبهم مجدداً للمساهمة في بناء اقتصاد المعرفة ونقل التكنولوجيا.
كما انتهجت دول عديدة مثل كوريا الجنوبية والهند وماليزيا سياسات مماثلة، تقوم على تحويل الجاليات العلمية في الخارج إلى جسور للتنمية والتعاون العلمي بدل النظر إليها باعتبارها خسارة نهائية للوطن.
والجزائر بدورها بدأت خلال السنوات الأخيرة في إيلاء أهمية أكبر لملف الكفاءات الوطنية بالخارج، من خلال برامج ومبادرات تهدف إلى ربط الباحثين والخبراء الجزائريين بمؤسسات البحث والجامعات الوطنية، بما يسمح بالاستفادة من خبراتهم وتجاربهم الدولية.
ولا يقتصر الأمر على عبد القادر لعطاب فقط، بل يشمل عشرات العلماء والباحثين الجزائريين المنتشرين في مختلف القارات. ومن بينهم البروفيسور أحمد بوقطاية، الذي يُصنف ضمن نخبة الباحثين العالميين في مجاله، والعديد من الكفاءات الأخرى التي تحقق نجاحات علمية مرموقة في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا وآسيا.
والملاحظ أن عدداً كبيراً من هؤلاء العلماء لا يبحث عن امتيازات أو مكاسب شخصية، بل يعبّر باستمرار عن استعداده للمساهمة في تطوير البحث العلمي بالجزائر، سواء عبر التأطير الأكاديمي أو نقل الخبرات أو بناء الشراكات الدولية أو المشاركة في المشاريع العلمية الوطنية.
إن قصص هؤلاء ليست مجرد نجاحات فردية، بل هي رسائل أمل للأجيال الصاعدة، تؤكد أن الجزائري قادر على التألق في أرقى الجامعات والمخابر العالمية متى توفرت له الإرادة والعلم والعمل الجاد.
كما أنها دعوة إلى تغيير النظرة السلبية تجاه الكفاءات المقيمة بالخارج، والنظر إليها باعتبارها ثروة وطنية ممتدة عبر العالم يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للتنمية والابتكار ونقل التكنولوجيا.
فالعقول الجزائرية التي صنعت نجاحها في الخارج لم تنس جذورها، وما تزال تنبض بحب الوطن. وبين من يعمل في مختبر بأستراليا أو جامعة بأوروبا أو مركز أبحاث بأمريكا، يبقى خيط الانتماء إلى الجزائر حاضراً، وتبقى الرغبة في خدمتها أقوى من المسافات.
هؤلاء هم أبناء الجزائر الشرفاء… سفراء العلم الذين هاجروا بأجسادهم، لكن قلوبهم بقيت معلقة بالوطن.