يحرص العالم الغربي، إلى يومنا هذا، على ترسيخ تاريخه في وجدان أجياله، ويمنح مادة التاريخ مكانة مركزية داخل منظوماته التعليمية والثقافية والإعلامية. فالتاريخ بالنسبة إليه ليس مجرد سرد لأحداث الماضي، بل هو أحد أهم أدوات بناء الهوية الجماعية وتعزيز الانتماء الوطني وصناعة المستقبل.
ومن يتأمل المناهج التعليمية في العديد من الدول الغربية يلاحظ مدى العناية التي تُمنح للروايات المؤسسة للهوية الوطنية والدينية، حيث يتم تقديمها باعتبارها ركائز أساسية لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. كما تحرص المؤسسات الأكاديمية والثقافية على إبقاء الذاكرة التاريخية حية في أذهان المواطنين، إدراكاً منها أن الأمم التي تنقطع عن ماضيها تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها على فهم ذاتها والدفاع عن مصالحها.
في المقابل، تبدو مادة التاريخ في كثير من البلدان العربية وكأنها مادة ثانوية لا تحظى بما تستحقه من اهتمام. فغالباً ما يتعامل معها التلميذ باعتبارها وسيلة للحصول على النقاط واجتياز الامتحانات فقط، لا باعتبارها مادة تصنع الوعي وتغرس قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية. وهكذا يتحول التاريخ من مدرسة لصناعة المواطن الواعي إلى مجرد تواريخ وأسماء تحفظ ثم تُنسى بمجرد انتهاء الاختبارات.
الأخطر من ذلك أن بعض الأصوات المعاصرة باتت تتعامل مع الشخصيات التاريخية بمنطق الإدانة المسبقة أو السخرية أو الاجتزاء، فتُختزل حياة رجال صنعوا التاريخ في حادثة أو رواية أو شائعة، بينما يتم تجاهل إنجازاتهم الكبرى وتأثيرهم في مجتمعاتهم وعصورهم. ولا يعني ذلك أن الشخصيات التاريخية فوق النقد أو المراجعة، فالبحث العلمي يقتضي دراسة الوقائع وتحليلها بموضوعية، لكن الفرق كبير بين النقد العلمي الرصين وبين التشويه أو الانتقائية التي تركز على جانب واحد وتغفل بقية الصورة.
ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك الجدل المستمر حول سيرة الأمير عبد القادر الجزائري، ذلك الرجل الذي واجه واحدة من أقوى الإمبراطوريات الاستعمارية في القرن التاسع عشر، وأسّس دولة حديثة بمؤسساتها وإدارتها وجيشها، قبل أن يتحول في بعض الخطابات إلى موضوع للاتهامات والتشكيك المتواصل. مثلما يقاس الأمر على شخصيات تاريخية أخرى، دينية وسياسية، يتم أحياناً اختزالها في تفاصيل هامشية وإغفال ما قدمته من إنجازات أسهمت في صناعة الحضارة والتاريخ.
ومن بين الشخصيات التي تعرضت لكثير من الأحكام المتسرعة الخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي ارتبط اسمه في أذهان البعض بمجالس الطرب والقصص الأدبية، بينما يتغافل كثيرون عن حقيقة أن عهده شهد ازدهاراً علمياً وثقافياً وسياسياً جعل الدولة العباسية واحدة من أعظم القوى العالمية في ذلك الزمن. فالتاريخ لا يُقرأ من نافذة واحدة، بل من خلال رؤية شاملة تضع الإنجازات والإخفاقات في ميزان واحد.
إن الأمم التي تحترم نفسها لا تهدم رموزها ولا تقدسها بشكل أعمى، وإنما تدرسها بإنصاف وموضوعية، فتحتفظ بما هو مشرف وتتعلّم من الأخطاء والعثرات. أما تحويل التاريخ إلى مادة هامشية أو إلى ساحة لتصفية الحسابات الفكرية والإيديولوجية، فإنه يفتح الباب أمام فقدان الذاكرة الجماعية وتآكل الشعور بالانتماء.
لقد أدركت الأمم المتقدمة أن التاريخ ليس ماضياً منتهياً، بل هو رصيد استراتيجي يؤثر في الحاضر ويصنع المستقبل. ولذلك فإن إعادة الاعتبار لتدريس التاريخ، وربط الأجيال الجديدة برموزها الحضارية والوطنية، لم يعد خياراً ثقافياً فحسب، بل أصبح ضرورة وجودية لحماية الهوية وبناء وعي قادر على مواجهة تحديات العصر.
فمن لا يعرف تاريخه جيداً، قد يجد نفسه عاجزاً عن فهم حاضره، وأكثر عجزاً عن رسم ملامح مستقبله.