ما قل ودل

من أرشيف الصحافة الأوروبية سنة 1879…الغرب بأسره يعترف بعظمة الأمير عبد القادر

صورة لصدر صحيفة نمساوية و هي تثني على الأمير عبد اقادر

شارك المقال

في زمن كانت فيه القوى الاستعمارية الأوروبية تسعى إلى تبرير توسعها وإخفاء جرائمها خلف شعارات “التمدين” و”التحّضر”، برزت أصوات نادرة داخل الصحافة الغربية اعترفت بالحقيقة كما هي، وسجلت للتاريخ شهادات منصفة في حق رجال قاوموا الاحتلال وكتبوا أسماءهم بأحرف من نور في سجل الإنسانية.

ومن بين هذه الشهادات ما نشرته الصحيفة النمساوية “Neue Illustrirte Zeitung” سنة 1879، حيث خصصت تقريراً مطولاً استعرضت فيه مسيرة الرجل الذي دوّخ الجيش الفرنسي وأجبر أوروبا على إعادة النظر في صورة المقاوم الجزائري.

وتكشف هذه الوثيقة التاريخية، المحفوظة ضمن أرشيف متحف فيينا، حجم التأثير الذي تركه الأمير عبد القادر في الوعي الأوروبي، إذ لم تقدمه الصحيفة كقائد محلي أو زعيم قبلي، بل كرجل دولة ومحارب استثنائي وقائد امتلك من الذكاء والشجاعة ما جعله خصماً مرهوب الجانب لدى إحدى أقوى الإمبراطوريات العسكرية في القرن التاسع عشر.

وأشار التقرير إلى أن الأوساط السياسية والإعلامية في باريس كانت تعتقد في بداية الاحتلال أن السيطرة على الجزائر لن تستغرق سوى أسابيع قليلة، غير أن ظهور الأمير عبد القادر قلب كل الحسابات. فقد تمكن الشاب الجزائري من توحيد القبائل وتنظيم المقاومة وإلحاق الهزائم المتتالية بالقوات الفرنسية، الأمر الذي دفع الصحافة الفرنسية آنذاك إلى متابعة أخباره باهتمام كبير، بعدما أصبحت انتصاراته حديث الرأي العام الأوروبي.

كما توقفت الصحيفة عند نسب الأمير الشريف ومكانته الدينية والعلمية، مشيرة إلى انحداره من أسرة عريقة ذات مكانة روحية مرموقة في المجتمع الجزائري، وهو ما منحه احتراماً واسعاً بين القبائل وساعده على حشد التأييد لمشروعه المقاوم.

ولم يقتصر الإعجاب الأوروبي على الجانب العسكري فحسب، بل امتد إلى شخصيته الإنسانية والأخلاقية. فقد وصفته الصحيفة بالفارس المتقن لفنون الفروسية، والزاهد المتأمل، وصاحب المعرفة العميقة بالدين والقرآن الكريم، مؤكدة أنه كان نموذجاً نادراً في الانضباط الأخلاقي وضبط النفس.

أما في الجانب العسكري، فقد اعترف التقرير بعبقرية الأمير الاستراتيجية، موضحاً أنه نجح في إرباك الخطط العسكرية الفرنسية وإفشال نظريات كبار القادة العسكريين في ذلك العصر. كما تمكن من فرض نفسه طرفاً سياسياً وعسكرياً يحظى بالاحترام، إلى درجة أن فرنسا وجدت نفسها مضطرة لعقد معاهدات واتفاقيات معه، في سابقة لم تكن مألوفة في تعامل القوى الاستعمارية مع الشعوب التي كانت تحتل أراضيها.

ومن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الوثيقة التاريخية أن الصحيفة لم تتجاهل الأسباب الحقيقية لاندلاع المقاومة الجزائرية، بل أشارت إلى أن تصاعد المواجهة جاء عقب تجاوزات خطيرة ارتكبتها قوات الاحتلال الفرنسي، من اعتداءات على السكان وانتهاكات للمقدسات وتعديات على الممتلكات، وهو ما دفع القبائل الجزائرية إلى الالتفاف حول الأمير عبد القادر واعتباره قائداً لمعركة الدفاع عن الأرض والكرامة.

وبعد مرور أكثر من قرن ونصف على تلك الأحداث، تبقى هذه الشهادة الأوروبية دليلاً على أن عظمة الأمير عبد القادر لم تكن محل اعتراف الجزائريين وحدهم، بل فرضت نفسها حتى على خصومه وعلى عدد من المؤرخين والصحفيين الغربيين الذين وجدوا أنفسهم أمام شخصية استثنائية تجاوزت حدود الزمان والمكان.

لقد كان الأمير عبد القادر أكثر من قائد مقاومة، فقد كان رجل دولة ومصلحاً ومفكراً وإنساناً حمل رسالة الحرية والكرامة، فاستحق أن يخلد اسمه في ذاكرة الشعوب وأن يبقى أحد أبرز الرموز الخالدة في تاريخ الجزائر والعالم.

المصدر: الصحيفة النمساوية "Neue Illustrirte Zeitung"

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram