تحل ذكرى رحيل الشيخ والمؤرخ والباحث الجزائري الكبير المهدي البوعبدلي، الذي غادر الدنيا يوم 6 جوان 1992، لتعيد إلى الواجهة سيرة أحد أبرز العلماء الذين نذروا حياتهم للدفاع عن الهوية الوطنية وصيانة الذاكرة التاريخية الجزائرية من التشويه والتحريف.
ويُجمع كبار العلماء والباحثين في الجزائر والعالم العربي على المكانة العلمية الرفيعة التي احتلها الشيخ المهدي البوعبدلي، ليس فقط باعتباره فقيها وعالما في الشريعة الإسلامية، بل كذلك بوصفه أحد أبرز الباحثين الذين خاضوا معركة استعادة التاريخ الوطني من بين ركام التزييف الاستعماري والتأويلات المغرضة التي استهدفت مقومات الشخصية الجزائرية.
ولد الشيخ المهدي البوعبدلي بمدينة بطيوة بولاية وهران يوم 7 جانفي 1907، وتلقى تعليمه الأولي بمسقط رأسه قبل أن يواصل دراسته بمدينة مازونة، ثم شد الرحال سنة 1931 إلى تونس للالتحاق بجامع الزيتونة، أحد أهم منارات العلم في العالم الإسلامي آنذاك. وهناك تتلمذ على أيدي نخبة من كبار العلماء، من بينهم الشيخ عبد العزيز جعيط والشيخ البشير النيفر، وتميز بين أقرانه بالجد والاجتهاد وحب المعرفة.
وخلال فترة دراسته لم يقتصر نشاطه على التحصيل العلمي فقط، بل ساهم في تأسيس جمعية الطلبة الزيتونيين الجزائريين إلى جانب عدد من زملائه، ليصبح أحد أبرز الوجوه الطلابية المدافعة عن قضايا الوطن والهوية في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ الجزائر.
وبعد تخرجه سنة 1933 عاد إلى الجزائر، حيث اشتغل في المجال الصحفي والدعوي، فكان نائباً لرئيس تحرير جريدة “الرشاد” لفترة وجيزة، قبل أن يتولى مهام الإمامة والإفتاء في بجاية ثم بالشلف. وخلال الثورة التحريرية المباركة انتقل سنة 1956 إلى المغرب الأقصى، حيث ساهم في أداء مهام وطنية لصالح الثورة الجزائرية حتى استعادة الاستقلال.
غير أن المرحلة التي صنعت شهرته العلمية الكبرى بدأت بعد الاستقلال، حين تفرغ للبحث التاريخي والعمل الثقافي والفكري، مقتنعاً بأن معركة التحرير لا تكتمل إلا بتحرير التاريخ من التشويه الذي لحق به خلال الحقبة الاستعمارية.
وقد رفع الشيخ البوعبدلي راية الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية، معتبراً أن التاريخ الجزائري تعرض، مثل اللغة العربية والدين الإسلامي، لمحاولات متواصلة من التزييف والطمس. لذلك جعل من مهمته الأساسية إعادة قراءة الماضي الوطني قراءة علمية دقيقة بعيدة عن الأهواء والأغراض، بهدف تمكين الأجيال الجديدة من معرفة حقيقة تاريخ بلادها وشخصياتها وأمجادها.
وفي سبيل ذلك، ألّف العديد من الكتب والدراسات والمقالات، واعتمد على وثائق ومخطوطات نادرة أعادت الاعتبار إلى شخصيات تاريخية ظلت مجهولة أو مهمشة لسنوات طويلة. كما ساهمت أبحاثه في كشف جوانب مهمة من التاريخ الثقافي والديني والسياسي للجزائر.
وكان شغفه بالمخطوطات استثنائياً إلى درجة دفعت الكثير من معاصريه إلى وصفه بـ”عاشق المكتبات” أو “مجنون المخطوطات”. فقد جاب المدن والبلدان بحثاً عن الوثائق النادرة، وجمع مكتبة ضخمة ضمت آلاف الكتب والمراجع والمخطوطات النفيسة، واضعاً إياها في خدمة الباحثين والطلبة والمؤرخين.
ولم تكن مكتبته مجرد فضاء لحفظ الكتب، بل كانت ورشة علمية حقيقية تخرج منها عشرات الباحثين واستفاد منها كبار المؤرخين الجزائريين والعرب والأجانب. ومن أشهر من استفادوا من مراسلاته ومعلوماته المؤرخ الجزائري الكبير أبو القاسم سعد الله، الذي اعتمد على العديد من الوثائق والمعلومات التي وفرها له الشيخ البوعبدلي في إعداد موسوعته الشهيرة “تاريخ الجزائر الثقافي”.
كما ارتبط بعلاقات علمية واسعة مع عدد من المفكرين والعلماء والمستشرقين، من بينهم المؤرخ الفرنسي جاك بيرك، وظل مرجعاً أساسياً في مجال المخطوطات الجزائرية ومواقع وجودها داخل الوطن وخارجه.
ولم يقتصر نشاطه على التأليف والبحث، بل شارك في عشرات الندوات والملتقيات العلمية داخل الجزائر وخارجها، مقدماً محاضرات حول تاريخ المدن الجزائرية الكبرى وأعلامها، ومسلطاً الضوء على شخصيات بارزة مثل الأمير عبد القادر وعبد الرحمن الأخضري والطاهر الجزائري وغيرهم من رموز الفكر والعلم في الجزائر.
وتقديراً لعطائه الفكري والعلمي، شغل عضوية المجلس الإسلامي الأعلى، وعمل باحثاً بالمركز الوطني للبحوث التاريخية، كما اختير عضواً بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر. وفي سنة 1991 كرّمته جامعة وهران بمنحه شهادة الدكتوراه الفخرية اعترافاً بإسهاماته الكبيرة في خدمة التاريخ والثقافة الوطنية.
ظل الشيخ المهدي البوعبدلي وفياً للعلم والبحث إلى آخر أيام حياته، قبل أن يرحل إلى جوار ربه يوم 6 جوان 1992 بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإنتاج الفكري والنضال الثقافي.
وبرحيله فقدت الجزائر واحداً من أبرز حراس ذاكرتها التاريخية، غير أن إرثه العلمي ومؤلفاته ومخطوطاته ومواقفه الوطنية ما تزال شاهدة على رجل جعل من التاريخ رسالة، ومن المعرفة سلاحاً للدفاع عن هوية الأمة وذاكرتها الحضارية.
رحم الله الشيخ المهدي البوعبدلي وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن الجزائر وأبنائها خير الجزاء.