ما قل ودل

من غرف الإمبراطورية الصينية إلى مدرجات السوربون…تاريخ الباكالوريا التي غيرت وجه التعليم العالمي

شارك المقال

تُطل علينا امتحانات شهادة الباكالوريا كل عام لتشغل الأسر وتستنفر الحكومات، وتتحول إلى قضية رأي عام تتصدر عناوين الأخبار. لكن خلف هذه الأوراق الامتحانية المضغوطة وأجواء الترقب، يمتد تاريخ معرفي عريق يضرب بجذوره في عمق الحضارات الإنسانية، ليعكس تطور الفكر البشري في تقييم المعرفة وفرز الكفاءات.

​فما هو الأصل التاريخي والعلمي لهذه الشهادة؟ وكيف تحولت من طقس صيني قديم إلى ركيزة المنظومة التعليمية الحديثة؟

​الجذور الأولى بدأت خلال نظام “الكيوجو” الصيني

ف​إذا أردنا تتبع الجينات الأولى لفكرة “الامتحان الوطني الموحد”، فإن الرحلة تأخذنا بعيداً إلى شرق آسيا، وتحديداً إلى الإمبراطورية الصينية خلال عهد سلالة “هان” وتطورها في عهد سلالة “سوي” عام 605 ميلادي، حيث ​عرفت الصين نظاماً صارماً يُسمى الكيوجو Keju، وهو أول نظام امتحانات رسمي في التاريخ لاختيار موظفي الدولة الإداريين بناءً على الجدارة العلمية والأدبية، وليس على أساس الوراثة أو الطبقية.

كان المترشحون يخوضون اختبارات قاسية في الفلسفة الكونفوشيوسية، الأدب، والقانون، وتمتد أحياناً لأيام متواصلة في غرف معزولة، هذا النظام شكّل النواة الأولى لـ”ثقافة الامتحانات الموحدة” التي انتقلت لاحقاً إلى الغرب عبر طريق الحرير وكتابات الرحالة.

​تعد اللفظة في حد ذاتها وثيقة تاريخية مشوقة، حيث تعود الجذور اللغوية لمصطلح “Baccalauréat” إلى العصور الوسطى، وهي مزيج بين اللاتينية ومصطلحات الفروسية والنباتات ،حيث تقول ​الفرضية الأولى أن الكلمة تُشتق من اللاتينية bacca lauri وتعني حبة الغار Baie de laurier.

في التقاليد الرومانية واليونانية القديمة، كان المنتصرون، الشعراء، والعلماء يُتوجون بإكليل من أغصان الغار كرمز للتفوق والتميز العلمي والعسكري.

في حين أن ​الفرضية الثانية مرتبطة بالفروسية،إذ كانت تزلق في العصور الوسطى على “الفارس الشاب” (Bachelor) الذي لم يصل بعد إلى مرتبة الفارس المستقل، ولكنه في طور التدريب والترقي، وهو ما يتقاطع مع فكرة الطالب الذي ينتقل من التعليم الثانوي إلى العالي.

وكانت ولادة الشهادة في ​العصور الوسطى بالجامعات الأوروبية،حيث ​ظهر مصطلح “الباكالوريا” لأول مرة كمرتبة علمية أكاديمية في جامعة باريس السوربون في القرن الثالث عشر،حوالي عام 1252 ميلادي تحت رعاية الملك لويس التاسع (Saint Louis).

​في تلك الحقبة، لم تكن الباكالوريا امتحاناً للولوج إلى الجامعة، بل كانت الدرجة العلمية الأولى التي يمنحها نظام التعليم الجامعي وتعادل شهادة الليسانس.

كان الطالب يحصل عليها بعد نقاشات و”مبارزات” فكرية وشفهية علنية في اللاهوت، الفلسفة، والفنون الإنسانية، لتسمح له بمواصلة دراسته نحو درجة “الماجستير” ثم “الدكتوراه”.

​المنعطف الحاسم الذي منح “الباكالوريا” شكلها ومفهومها الحديث كشهادة وطنية تنهي التعليم الثانوي وتفتح أبواب الجامعة، يعود إلى الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت.

​بموجب مرسوم إمبراطوري صادر في 17 مارس 1808، أعاد نابليون تنظيم الجامعة الفرنسية وصمم نظام الباكالوريا كأداة لتوحيد المعايير التعليمية في الدولة، وبناء نخبة إدارية وعلمية قادرة على قيادة الإمبراطورية.

​في الدورة الأولى عام 1809، نجح 31 مترشحاً فقط في فرنسا بأكملها, ​كانت الامتحانات شفهية بالكامل وتتمحور حول الثقافة الكلاسيكية اللاتينية، اليونانية، البلاغة، الفلسفة، وقليل من العلوم.

​كان السن الأدنى للترشح هو 16 سنة، و​شهدت الشهادة طوال القرنين التاسع عشر والعشرين تحولات علمية واجتماعية عميقة لتواكب الثورات الصناعية التكنولوجية ،وتم ​إدخال الامتحانات الكتابيةسنة 1830 نظرًا لارتفاع أعداد المترشحين ولضمان عدالة أكبر، إلى جانب الشفهية.

ظلت الباكالوريا حكراً على الذكور حتى تمكنت الأديبة والمناضلة النسوية جولي-فيكتوار دوبي (Julie-Victoire Daubié) من انتزاع حق الترشح واجتياز الامتحان بنجاح في ليون عام 1861، لتصبح أول امرأة تنال هذه الشهادة وتفتح الباب أمام تعليم المرأة عالمياً.

مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، انقسمت الباكالوريا إلى شعب متعددة (آداب، علوم، رياضيات) استجابة للتقدم العلمي الحاصل وحاجة الاقتصاد الحديث إلى تخصصات دقيقة.

تحولت الباكالوريا عبر القرون من مجرد إكليل نباتي يُكرم به المتميزون، إلى منظومة تقييم علمية بيداغوجية معقدة. إنها ليست مجرد ورقة امتحان، بل هي صمام أمان بيداغوجي يقيس القدرات التحليلية والنقدية للمجتمعات، وجسر معرفي يعبر بالشباب من مقاعد التلقين المدرسي إلى رحاب البحث العلمي والجامعي.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram