في عالمنا المعاصر، لا يمكن لأي شخص أن يرتدي مئزر الطبيب ويقتحم غرفة العمليات لإجراء جراحة معقدة، كما لا يمكن لغير المختص أن يتولى تصميم جسر أو قيادة طائرة أو إصدار أحكام قضائية. فكل مهنة لها أصولها العلمية وقواعدها المهنية وتكوينها الأكاديمي الذي يضمن جودة الأداء وحماية المجتمع من الأخطاء الكارثية.
غير أن الأمر يبدو مختلفاً عندما يتعلق بالإعلام والصحافة. ففي السنوات الأخيرة، أصبح من السهل أن يتقمص أي شخص صفة الصحفي أو المصور الصحفي أو حتى مدير مؤسسة إعلامية، دون أن يكون قد تلقى تكويناً متخصصاً أو امتلك الحد الأدنى من المعارف المهنية التي تؤهله لممارسة هذه الرسالة الحساسة. وهنا يبرز تساؤل مشروع…لماذا تفتح الجامعات أبوابها لتدريس علوم الإعلام والاتصال وتمنح شهادات الليسانس والماستر والدكتوراه، إذا كانت المهنة أصبحت في متناول كل من يملك هاتفاً ذكياً أو حساباً على مواقع التواصل الاجتماعي؟
لقد شهد العالم ثورة رقمية غير مسبوقة غيرت مفهوم الإعلام التقليدي ووسائل إنتاج المحتوى. وأصبح الوصول إلى الجمهور لا يحتاج إلى مطبعة أو قناة تلفزيونية أو مؤسسة إعلامية ضخمة كما كان الحال في السابق. هذه التحولات فتحت المجال أمام ظهور ما يعرف بالإعلام الجديد والصحافة المواطنية، وهي ظواهر تحمل جوانب إيجابية عديدة من حيث سرعة نقل الأحداث وتوسيع فضاء التعبير. غير أنها في المقابل ساهمت في تمييع الحدود بين العمل الصحفي المهني والمحتوى العفوي الذي ينتجه الأفراد.
ومن بين الأسباب الرئيسية لاختلال الموازين في القطاع الإعلامي تراجع معايير الاحترافية في بعض المؤسسات الإعلامية التي أصبحت تبحث عن نسب المشاهدة وعدد المتابعين أكثر من بحثها عن الجودة والمصداقية. فمع اشتداد المنافسة الرقمية، تحولت بعض المنصات إلى سباق محموم نحو الإثارة والعناوين الجاذبة ولو على حساب الدقة والموضوعية.
كما ساهم ضعف التنظيم المهني في فتح المجال أمام ممارسات بعيدة عن أخلاقيات الصحافة، حيث باتت بعض الجهات تعتبر الإعلام مجرد نشاط تجاري أو وسيلة لتحقيق الأرباح الإعلانية، في حين أن دوره الحقيقي يتجاوز ذلك بكثير. فالإعلام في الدول الحديثة ليس مجرد صناعة للمحتوى، بل هو أداة استراتيجية لصناعة الرأي العام وحماية الأمن الفكري وتعزيز الوعي المجتمعي والدفاع عن المصالح الوطنية.
ويزداد الأمر خطورة في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم اليوم، حيث أصبحت الحروب الإعلامية والمعلوماتية جزءاً من الصراعات الدولية. فالدول لم تعد تعتمد فقط على الجيوش والأسلحة التقليدية، بل أصبحت تستخدم وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي للتأثير على الشعوب وتوجيه الرأي العام وصناعة السرديات السياسية والثقافية. وفي هذا السياق، يتحول الإعلام إلى خط دفاع أول وإلى أحد أهم عناصر القوة الناعمة للدول.
ومن هنا تظهر أهمية التكوين الأكاديمي المتخصص في علوم الإعلام والاتصال. فالصحفي المحترف لا يكتفي بنقل الأخبار، بل يمتلك أدوات التحليل والتحقق والتدقيق وفهم السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية. كما يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه وتأثير الكلمة والصورة في تشكيل الوعي الجماعي.
ولا يعني الدفاع عن الاحترافية رفض مساهمة المواطنين في نقل الأحداث أو التعبير عن آرائهم، فذلك حق مشروع تكفله مختلف التشريعات الحديثة. غير أن الفرق يبقى قائماً بين المساهمة الإعلامية وبين ممارسة الصحافة كمهنة تتطلب تكويناً وخبرة والتزاماً بأخلاقيات المهنة.
إن الأزمة التي يعيشها الإعلام اليوم ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة ترتيب الأولويات وإعادة الاعتبار للكفاءة والتكوين والتخصص. فالدول التي تدرك قيمة الإعلام تعمل على حماية مؤسساتها الإعلامية وتطويرها وتكوين كوادرها، لأنها تعلم أن الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو ركيزة من ركائز السيادة الوطنية والأمن الاستراتيجي.
ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح…كيف يمكن بناء إعلام قوي وقادر على مواجهة تحديات العصر إذا فقدت المهنة معاييرها المهنية وأصبحت مفتوحة دون ضوابط واضحة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تمثل أحد أهم التحديات التي تواجه الإعلام العربي عموماً والجزائري خصوصاً في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتضاعف فيه تأثيرات الكلمة والصورة على مصير الأمم والشعوب.