كان الجمهور الجزائري، إلى وقت غير بعيد، ينتظر بشغف كل عمل سينمائي أو درامي جديد يحمل توقيع فنانين جزائريين استطاعوا أن يصنعوا مجداً ثقافياً وفنياً تجاوز الحدود الوطنية. فقد ارتبطت ذاكرة المشاهد بأعمال خالدة مثل “وقائع سنين الجمر” المتوج بالسعفة الذهبية في مهرجان كان، و”دورية نحو الشرق”، و”العفيون والعصا”، و”عايش بإثناعش” و “دايم الله” و “حسان طيرو” و “عمر قاتلاتو رجلة” دون نسيان سلسلة أفلام المفتش الطاهر و نوادره مع معينه “لابرانتي”، فضلاً عن الأعمال التاريخية التي جسّدت محطات بارزة من تاريخ الجزائر على غرار مسلسل “زينب” وفيلم “الشيخ بوعمامة”. كما نجحت الأعمال الفكاهية في فرض حضورها من خلال سلاسل مثل “قريقش” و”أعصاب وأوتار” و”بلا حدود” و”ثلاثي الأمجاد”، التي لا تزال تحظى بمكانة خاصة لدى الجمهور رغم مرور السنوات.
غير أن المتابع للمشهد السينمائي والدرامي الجزائري اليوم يلاحظ حالة من التراجع الواضح في مستوى الإنتاجات الفنية، رغم توفر إمكانيات مالية ودعم عمومي يفوق في بعض الأحيان ما كان متاحاً خلال العقود السابقة. فالمفارقة تكمن في أن حجم التمويل ارتفع، بينما تراجع تأثير الأعمال المنتجة على الجمهور، وأصبحت الانتقادات الواسعة ترافق أغلب الإنتاجات بدل أن ترافقها إشادات المشاهدين والنقاد.
وخلال السنوات الأخيرة، تحول شهر رمضان، الذي كان يمثل الموعد الأبرز للإنتاجات الدرامية والكوميدية الجزائرية، إلى موسم تتجدد فيه موجات الانتقاد أكثر من تجدد فيه الأعمال الناجحة. وأصبح المشاهد يشتكي من تكرار المواضيع، وضعف الحبكة الدرامية، وافتقار السيناريوهات إلى العمق والإبداع، فضلاً عن صعوبة صناعة الضحك عبر مواقف سطحية لا ترتقي إلى مستوى الكوميديا الحقيقية التي عرفتها الجزائر في مراحل سابقة.
ولا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط. فالأزمة تبدو مركبة ومتداخلة. فالممثل مهما بلغت موهبته لا يستطيع إنقاذ نص ضعيف أو فكرة مستهلكة، كما أن كاتب السيناريو لا يمكنه النجاح إذا افتقد إلى التكوين الأكاديمي والخبرة الكافية لفهم قواعد الكتابة الدرامية الحديثة. ويزداد الأمر تعقيداً عندما تتداخل الأدوار داخل العمل الواحد، فيتحول الممثل إلى كاتب ومنتج ومشرف فني في الوقت نفسه، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى غياب التخصص وإضعاف جودة المنتج النهائي.
ويشير عدد من المختصين إلى أن أحد أهم أسباب الأزمة يتمثل في غياب الاستثمار الحقيقي في التكوين السينمائي والدرامي. فالسينما ليست مجرد كاميرا وممثلين، بل هي صناعة متكاملة تقوم على كتاب سيناريو محترفين ومخرجين متمكنين وتقنيين متخصصين وباحثين في الصورة والصوت والدراما. وفي هذا السياق يبرز التساؤل حول الدور الذي يفترض أن تؤديه المعاهد والمدارس العليا المتخصصة في الفنون الدرامية والسمعية البصرية، والتي يفترض أن تكون خزانات للكفاءات القادرة على تجديد الدماء داخل القطاع ورفع مستوى الإنتاج الوطني.
كما أن الكثير من الأعمال الحالية تبدو منفصلة عن اهتمامات المواطن الجزائري الحقيقية، حيث تغيب القضايا الاجتماعية العميقة والموضوعات الوطنية الكبرى لصالح قصص متشابهة وأحداث متوقعة لا تثير فضول المشاهد ولا تدفعه إلى متابعة العمل حتى نهايته. وفي المقابل، نجحت الأعمال القديمة في البقاء لأنها كانت تعكس واقع المجتمع وتلامس همومه وتطرح أسئلته الكبرى بلغة فنية راقية.
إن أزمة السينما والدراما الجزائرية ليست أزمة إمكانيات بقدر ما هي أزمة رؤية ومحتوى وتكوين. فالمال وحده لا يصنع عملاً ناجحاً، كما أن التكنولوجيا الحديثة لا يمكنها أن تعوض غياب الفكرة المبتكرة والسيناريو المتقن. وما تحتاجه الجزائر اليوم هو إعادة الاعتبار لثقافة التخصص، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة المتخرجة من المعاهد والجامعات، وتشجيع الكتابة الدرامية الاحترافية، وربط الدعم العمومي بمعايير الجودة والإبداع.
ويبقى الأمل قائماً في استعادة بريق الفن السابع الجزائري، خاصة وأن الجزائر تمتلك رصيداً تاريخياً وثقافياً وإنسانياً هائلاً يمكن أن يشكل مادة غنية لعشرات الأفلام والمسلسلات القادرة على المنافسة عربياً ودولياً. فالجمهور لم يهجر الشاشة الجزائرية، بل لا يزال ينتظر عملاً يلامس وجدانه ويعيد إليه تلك المتعة التي عاشها مع روائع الأمس، حين كانت السينما الجزائرية تصنع الحدث وتكتب اسمها بأحرف من ذهب في سجل الإبداع العالمي.