ما قل ودل

الرياضة والسياسة…تحالف قديم يتجدد مع كل أزمة عالمية

شارك المقال

لطالما شكلت الأحداث الرياضية الكبرى أكثر من مجرد منافسات داخل الملاعب والحلبات، إذ تحولت في العديد من المحطات التاريخية إلى فضاءات تستقطب أنظار الرأي العام العالمي وتمنح صنّاع القرار السياسي فرصة لتمرير رسائلهم وخطاباتهم في توقيت بالغ الحساسية. ومن هذا المنطلق، أعادت التطورات الأخيرة المرتبطة بإعلان اتفاق التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران إلى الأذهان العلاقة المعقدة التي تربط الرياضة بالسياسة منذ عقود طويلة.

فبينما كانت أنظار ملايين المتابعين تتجه نحو المنافسات الرياضية العالمية، سواء من خلال أجواء كأس العالم أو بطولة العالم للفنون القتالية المختلطة التي استقطبت أبرز نجوم اللعبة و التي احتضنها بهو البيت الأبيض، جاء الإعلان عن الاتفاق السياسي في لحظة أثارت الكثير من التساؤلات لدى المراقبين بشأن تزامن الأحداث الرياضية الكبرى مع القرارات السياسية المصيرية.

ويرى عدد من المحّللين أن الرياضة تحولت في العصر الحديث إلى منصة عالمية قادرة على توجيه اهتمام الجماهير ووسائل الإعلام نحو مشاهد الفرح والتنافس، في الوقت الذي تشهد فيه الساحة السياسية تحولات عميقة قد لا تحظى بنفس القدر من المتابعة الشعبية. ولهذا كثيراً ما تستفيد الحكومات والقوى الكبرى من الزخم الإعلامي المصاحب للأحداث الرياضية لتقديم مبادرات سياسية أو الإعلان عن قرارات استراتيجية.

وعبر التاريخ، لم تكن العلاقة بين السياسة والرياضة أمراً جديداً. فقد شهد العالم العديد من المناسبات التي تداخل فيها الحدث الرياضي مع الحسابات السياسية والدبلوماسية. وتحولت الملاعب والحلبات في أكثر من مناسبة إلى مسرح غير مباشر لرسائل تتجاوز حدود الرياضة، سواء تعلق الأمر بالصراعات الدولية أو محاولات تحسين الصورة السياسية للدول والأنظمة.

كما أن الحرب الباردة نفسها عرفت محطات عديدة وظفت فيها المنافسات الرياضية كأدوات للقوة الناعمة وإبراز التفوق السياسي والأيديولوجي. وأصبحت الرياضة جزءاً من معادلات التأثير الدولي التي لا تقل أهمية عن الخطاب الدبلوماسي التقليدي.

وفي ظل التطورات الراهنة، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الأحداث الرياضية العالمية لا تزال تؤدي الدور نفسه الذي لعبته في الماضي، أم أن عصر الإعلام الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي جعل من الصعب توجيه اهتمام الرأي العام أو التحكم في أولويات الأخبار كما كان يحدث سابقاً.

ومهما اختلفت القراءات والتحليلات، فإن المؤكد أن الرياضة والسياسة ستظلان مرتبطتين ببعضهما البعض بدرجات متفاوتة. فالأولى تمتلك القدرة على جمع الشعوب وتوحيد المشاعر، بينما تسعى الثانية إلى استثمار كل المنصات المتاحة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. وبين هذا وذاك، يبقى التاريخ شاهداً على أن الملاعب كثيراً ما كانت مسرحاً موازياً للأحداث الكبرى التي صنعت تحولات العالم.

فما أشبه اليوم بالأمس، عندما تتقاطع حسابات السياسة مع وهج الرياضة، وتتحول المنافسات العالمية إلى خلفية لأحداث قد تكون أكثر تأثيراً من نتائج المباريات والنزالات نفسها.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram