ما قل ودل

المادة 200 والانتقال السياسي في الجزائر…بين شرعية التأسيس ومتطلبات حماية المسار الإصلاحي

شارك المقال

بقلم الدكتور عبد القادر مغزيلي

أثارت الإقصاءات التي ترتبت عن تطبيق المادة 200، ولا سيما فقرتها السابعة، في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة نقاشا سياسيا وقانونيا واسعا بين من اعتبرها تضييقا على التنافسية الديمقراطية، وبين من رأى فيها ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة التي تعيشها الجزائر منذ سنة 2019.

وأمام هذه الإشكالية لا بد من التوقف لتحليل الموقف ، ذلك  أن اختزال المسألة في بعدها القانوني وحده يفقدها الكثير من الأبعاد التاريخية والسياسية، فكما هو معلوم لدى أهل الاختصاص أن النصوص القانونية لا تفهم بمعزل عن السياق العام  الذي أنتجها و لا حتى عن الأهداف التي تود  تحقيقها.

لقد شّكل الحراك الشعبي(1) لسنة 2019 لحظة مفصلية في التاريخ السياسي الجزائري المعاصر، ليس فقط بسبب حجم تعبئة الشارع  بل أيضا لأنه استطاع أن يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين المواطن و مؤسسات الدولة المختلفة ما عدا المؤسسة العسكرية.

إن المتتبع لأحداث تلك المرحلة يدرك أن الرفض الشعبي  الواسع  لم يكن موّجها ضد أفراد بعينهم،أو عصب محدودة  التأثير، بل كان موجها ضد منظومة كاملة من الممارسات ارتبطت في الوعي الجمعي ب:

_ الفساد السياسي

_  تغول المال

_ استعمال النفوذ

_ تحويل المؤسسات المنتخبة إلى فضاءات لإعادة إنتاج المصالح بدل تمثيل الإرادة الشعبية.

بناء على ما سبق و انطلاقا من هذا الواقع الذي  كان ينذر بانفجار يهّدد أركان الدولة حسب تصريح المرحوم “القائد صالح” ، جاء انتخاب رئيس الجمهورية “عبد المجيد تبون “في سياق سياسي أقل ما يوصف به  أنه خطير ومهدد بزلزال يزعزع  كيان الدولة.

بوصول القيادة الجديدة  إلى سّدة الحكم حملت معها خطابا متناغما مع الشارع الجزائري مفاده  إعادة بناء الدولة واسترجاع ثقة المواطن في مؤسساته، و (تجديد) النخب السياسية والإدارية. لذلك فإن العديد من الإصلاحات التي عرفتها البلاد منذ ذلك التاريخ لا يمكن قراءتها الا  ضمن مشروع سياسي شامل هدفه إعادة تأسيس العلاقة و ليس باعتبارها إجراءات تقنية معزولة.

من هنا تبرز المادة 200 باعتبارها جزءا من هذا المسار…….إذ الغاية منها، وفق أنصارها، ليست إقصاء أشخاص أو تيارات سياسية، بل حماية المجال الانتخابي من الممارسات التي ساهمت في إضعاف الثقة في المؤسسات التمثيلية خلال العقود الماضية،كما أشرنا إليه سلفا، فالديمقراطية لا تختزل في حرية الترشح وحدها، ولا حرية التصويت وحده فهي تشمل كذلك حماية شروط المنافسة، كالشفافية و النزاهة ، وضمان عدم  تحول الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج شبكات النفوذ والمال السياسي.

لذا ذهب بعض ”المنتقدين” إلى أن الحّل الأمثل كان يكمن  في ترك الصندوق الانتخابي يقوم بعملية الفرز بنفسه، ويقوم بعملية التطهير الذاتية، باعتبار أن السيادة للشعب وحده.

غير أن هذا الطرح،  وعلى الرغم من وجاهته النظرية إلا أنه أهمل شرط وجود البيئة السياسية المتكافئة والخالية من التشوهات البنيوية التي راكمتها سنوات طويلة من الممارسات المشبوهة. فالتجارب السياسية العالمية وفي مختلف قارات العالم  أثبتت أن الانتخابات، في غياب الضوابط القانونية والأخلاقية الضرورية تتحول في أغلب الأحيان إلى أداة لإعادة إنتاج الاختلالات بدل تصحيح المسار .

لذا وجدتني ملزما بطرح هذه المساهمة في ظل الجدل الحاصل ….فالسياق، يبرز مفهوم ربما غاب عن بعض النخب  وهو “الديمقراطية المحمية” أو “الديمقراطية الدفاعية” الذي طوره الفقيه الدستوري كارل لوفنشتاين،  والذي مفاده أن الديمقراطية لا تقتصر  فقط على حق تنظيم المنافسة السياسية، بل تملك أيضا حق الدفاع عن نفسها ضد الممارسات والقوى القادرة على تقويضها من الداخل و إجهاض مشروعها، و لتأكيد هذا الطرح لا بد من استحضار بعض التجارب من التاريخ المعاصر والتي منها :

1 _ ألمانيا: بعد الحرب العالمية الثانية، حيث اعتبرت أن حماية الديمقراطية الوليدة تقتضي منع عودة الظروف التي سمحت بانهيار (جمهورية فايمار) وصعود النازية.

2 _  دول أوروبا الشرقية:  بعد سقوط الأنظمة الشيوعية  عملت على تطبيق سياسات عرفت بالتطهير السياسي (Lustration)، حيث فرضت قيودا قانونية على بعض الفاعلين المرتبطين بالنظم  السابقة وذلك  لحماية المؤسسات الجديدة من شبكات النفوذ القديمة أو اللوبيات المعروفة بمراكز القوى المتسّترة ،حيث لم يكن الهدف آنذاك إقصاء الخصوم السياسيين بقدر ما كان حماية مسار الانتقال الديمقراطي السلس من مخاطر الارتداد وإعادة إنتاج المنظومة السابقة بأدوات جديدة.

3_ التجربة الفرنسية :بعد الحرب العالمية الثانية: تظل التجربة الفرنسية من أكثر النماذج دلالة في هذا المجال. فعقب تحرير فرنسا سنة 1944 وسقوط نظام (فيشي،) المتعاون مع النازية، لم تتجه السلطات مباشرة إلى فتح المجال السياسي دون قيود، بل باشرت ما عرف تاريخيا (بالتطهير الجمهوري ) (L’Épuration). حيث شملت هذه العملية إبعاد آلاف الأشخاص من المناصب السياسية والإدارية والقضائية بسبب ارتباطهم بالنظام السابق أو تعاونهم مع سلطات الاحتلال، و خرمت العديد من حق الترشح …. لم  يكن هذا المسار يُقدم بوصفه اعتداء على الديمقراطية، بل باعتباره شرطا من شروط إعادة تأسيسها.

هذا ما جعل الجنرال “شارل ديغول”  يدرك  أن بناء الجمهورية الجديدة يقتضي الفصل بين الشرعية الجديدة ومظاهر الانهيار التي قادت إلى سقوط الجمهورية الثالثة وقيام نظام “فيشي” ، ولذلك لم يكن السؤال المطروح آنذاك هل يحق للجميع العودة إلى المشهد السياسي؟ بل كان كيف يمكن حماية الجمهورية الجديدة من القوى والممارسات التي ساهمت في إضعافها أو فقدانها لشرعيتها؟

وهنا تبرز أهمية مفهوم “الشرعية التأسيسية”. فليست كل المراحل السياسية متشابهة، فهناك لحظات تاريخية تكون فيها الدولة بصدد إعادة تأسيس قواعد اللعبة السياسية نفسها، لا مجرد تنظيم منافسة انتخابية عادية، وفي مثل هذه اللحظات تصبح بعض الإجراءات القانونية جزءا من عملية التأسيس السياسي وليست خروجا عنها.

من هذا المنظور، يرى المدافعون عن تطبيق المادة 200 أن الجزائر بعد 2019، إنما  تسعى إلى  حماية حرية المواطن  وضمان نزاهة المنافسة التي يمارس من خلالها حقه في الاختيار. فكما تضع الدولة شروطًا لتولي بعض المسؤوليات الحساسة حماية للمصلحة العامة، فإنها قد تضع، في ظروف استثنائية أو انتقالية، ضوابط تهدف إلى تحصين المجال السياسي من الممارسات التي أضعفت الثقة في المؤسسات وأفقدتها جزءا من مشروعيتها.

غير أن الدفاع عن هذه المقاربة لا يعني بالضرورة اعتبارها خيارًا دائمًا أو مطلقًا. فالإجراءات المرتبطة بالمراحل التأسيسية تكتسب مشروعيتها أساسًا من ارتباطها بظروف تاريخية محددة وأهداف سياسية واضحة. لذلك فإن نجاحها يقاس بمدى قدرتها على تحقيق الغاية التي وُجدت من أجلها، وهي بناء مؤسسات قوية وموثوقة، قادرة لاحقًا على إدارة التنافس السياسي في إطار من الشفافية وتكافؤ الفرص.

وعليه، فإن النقاش حول المادة 200 لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية الإقصاء أو الحرية، بل ينبغي أن يُفهم ضمن سؤال أعمق يتعلق بكيفية الموازنة بين متطلبات الانفتاح الديمقراطي وضرورات حماية مسار الإصلاح الوطني. فالديمقراطية ليست مجرد آلية انتخابية، بل هي منظومة متكاملة تقوم على الثقة والشرعية وسيادة القانون.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المادة 200 باعتبارها إحدى الأدوات القانونية التي استُخدمت في سياق سياسي خاص طبعته إرادة معلنة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع بعد أزمة عميقة كشفت عنها أحداث سنة 2019. ويبقى الحكم النهائي على نجاعتها أو محدوديتها رهينًا بمدى مساهمتها الفعلية في تحقيق هذا الهدف، أي ترسيخ مؤسسات أكثر تمثيلًا وشفافية، وتعزيز مشاركة سياسية قائمة على الكفاءة والشرعية الشعبية، بعيدًا عن تأثير المال والنفوذ وشبكات المصالح التي كانت محل رفض واسع من قبل الرأي العام.

وبذلك فإن قراءة المادة 200 خارج سياقها التاريخي والسياسي قد تؤدي إلى فهم مبتور لوظيفتها الحقيقية، بينما يقتضي التحليل الموضوعي إدراجها ضمن مسار أشمل لإعادة تأسيس المجال السياسي الجزائري، وهو المسار الذي لا يزال يخضع للتقييم والنقاش في ضوء نتائجه العملية وانعكاساته على مستقبل التجربة الديمقراطية في الجزائر.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram