ما قل ودل

الصدّيق حاج أحمد (الزيواني) في روايته الأخيرة…”تغريبَة دَلْدُول” سنوات “خَلْوة البارُود” المفقُودة من حياة الشّيخ بوعمَامَة

شارك المقال

ترى لماذا نسيان هذه العشر سنوات من حياة بوعمامة، تفاصيل عنها شحيحة؟

ماهي قضية “الأمان” التي كان يراسل بشأنها الشيخ بوعمامة الفرنسيين !؟

ماهي الخيانة الأشد إيلاماً عليه: بنو العمومة؟ أم سلطان مراكش؟ أم بعض شيوخ الزوايا ؟ خصوصا زاوية معروفة وشيخها معروف رمن بوعمامة؟

أمامكم هذا المقال عن الروية الذي نشرته الخبر أول محرم

رواية “تغريبَة دَلْدُول”…سنوات “خَلْوة البارُود” المفقُودة من حياة الشّيخ بوعمَامَة

الرواية والفُنون الجميلة هي الرّوح الإنسانيّة التي تنطق بما لا يستطيع قولَه المؤرخِّون وعلماءُ الاجتماع، ولا تفهَمه الأرقامُ الصّمّاء، ومحرومٌ منها الملوك والأمراءُ في تثبيت سلطانهم واستمرار سَطوتهم، عَرفنا وشاركنا وجْدانيّاً مأسَاة الموريسكيين وما أصابهم من قهرٍ وإذلالٍ جرّاء التّفتيش والعذاب والملاحَقات من خلال رواية “ثلاثيّة غرناطة” لرضوى عاشور، وفهِمنا “تَأنُّث” محي الدّين بن عربي ومعراجه الصُّوفي من خلال سيرة “موت صغير” لمحمد حسن حلوان الذي حَدثّنا عن أمّ وبنات وزوجة صَاحب “الفتوحات”، ومع غابريال ماركيز (مائة عامٍ من العُزلة) نعيش هوْل مجزرة عمّال المُوز (1928) الذي غمطَها التّعتيم الرّسمي.

فالرّواية مساحةٌ جماليّة وخياليّة تنفلتُ من السّائد والممنوع والحرجِ والتّحفّظ وتُكسب التّاريخ والأحداث والهوامش والمنبوذ معنىً وقيمةً، ومن الرّوايات التي قرأتها مؤخّراً التي حاولتْ سَدّ فجوة عشر سنوات (1883-1894) من حياة الشّيخ بوعمامة وصحبِه ومقاومتِه لم يتحدّث عنها المؤرّخون وبعضهم يختزل العشْرَة في فقْرة رواية: “تغْريبة دَلْدول: العُمرة المنسيّة من نُسك بوعمامة” للأديب الصّديق حاج أحمد المعروف بالزِّيواني الذي يُهدي كلماتِه وجُملَه مَسارات رحلة جميلة نحو الصّحراء والجوار الإفريقي.

الرواية بدايتها بلقاء مجموعة من المثقّفين في مقهى الّلوتس قبالة الجامعة المركزية بالعاصمة منتصف الثّمانينات لمناقشة فيلم بوعمامة وما لحق منطقة دلدول بقورارة (تيميمون) من ظُلامَة ونسيان ضيافتهم الّدينية والصّوفية والوطنيّة لزعيم المقاومة الشيخ بوعمامة، وكان القصْد من المناقشة: كيف يكون سدّ هذه الثّلمة عند المؤرخين وكتّاب السيناريوهات؟

فصول الرّواية تُرهق كاتبُها بين التّأريخ أو أن يُخلص لأدبيّته فهو يكتب رواية، وهاجس يَهجم عليه وهو لماذا لا يكون هذا النصّ سيناريو جزءاً ثانٍ لفيلم بوعمامة الذي أسْقط منطقة دلدول، وأعدم عشر سنوات من حياة مقاومة أولاد سيدي الشّيخ؟ فهي نُسُك عُمْرة بعد حجّة أدّاها بوعمامة في مقارعة فرنسا الاستعماريّة، هي خُلْوةٌ من خلواته تأمّلَ فيها وراسلَ،كوّن جنوده وجمع الأنصار، كانت دلدول فضاء الاستراحة والأمَان والتّعبّد، فهي الأرض الحرّة التي لم يكن لها ولاء لا لفرنسا ولا لغيرها، وما عاشته من نِزاع واقتتال كانت المشيخة الصّوفية والزاوية هي الفيصل والحَكَم والاستقرار.

استقبلت قورارة الطّيبة بوعمامة بعد أن رفضت فجيج قصر الحمام الفوقاني إقامته بأمْر من السّلطان العلوي بإيعاز من فرنسا، وقد طابت له الإقامة، الرواية تتحدث عن قُصور دلدول والتفافهم حول بوعمامة وصحبه، وينقل لنا الروائي مشاهد جمالية، جمالية العمق الإنساني والفضاء الطبيعي الذي جعل بوعمامة يسترجع عافيته وتكون له الإرادة للمقاومة، كانت العشر نُسكاً جمع بين العبادة والعمل، كانت خلوة بارود إذ كان يجمع الأسلحة وتأتيه المؤونة، كما كان يستقبل المشايخ والعلماء، ودخل في مفاوضات منها ما تحدث عنه بعض المؤرخين ما يسمّى “عهد الأمان” من الفرنسيين، وهنا سكوت تاريخي عن هذه القضية من الذين أرّخوا لبوعمامة، كما سكتوا أو أغفلوا أو جهلوا العشْرَ المنسِيّة من زمن بوعمامة.

الرّواية يُدبّجها صاحبها بشِعْر شعبي عن بطل الرّواية وعن الشوق والحنين والارتباط الوجداني بهذا الذي عاش معهم بعدما كانوا يسمعون أخباره فقط ويحملون وفاء لجدّه صاحب الطّريقة عبدالقادر بن محمد (سيدي الشّيخ)، إن الرّواية رحلة جميلة ينقلنا فيها المؤلّف عبر مسَارات جغرافيّة ممتعة ويستعمل في حواره بعض مفردات لهجة المنطقة الخاصّة، ولو أن بعض فصولها فيها رتابة ويقلّ فيها حيوية الحدث ويكون الحوار جافّاً، وربما كما قلت توزّع اهتمام الروائي بين أن يكون العمل روائياً وفي الوقت نفسه نصّاً تاريخيّاً يستدرك فيه على ما أغفله المؤرخون أو تأهيله مستقبلاً ليكون الجزء الثاني لفيلم بوعمامة، استدراك وتتمة لما كتبه بوعلام بالسّايح.

إن الأديب الصديق حاج أحمد يجعل من نصوصه رحلة جميلة مشوّقة نحو الصّحراء، ينحت كلماتها من ذاكرة سكّانها ومن حبّات الرّمل الذهبي، من صفاءِ أهلها وسلامهم الذي يجمعهم حول عيون الماء الموزّعة بعدالة، وغنى المكان والنّفس من قيم روحية إنسانية موغلة في التّاريخ صهرها الإسلام، كانت المرجعية والسلطة فيها لأمثال الشيخ بوعمامة الذين جمعوا بين البارود والسّبحة فنسجوا هويّة في أزمنة لم يكن الولاء المعنوي تبعيّة وخضوعاً وبيعةً كما يروّج له بعض كتبَة السّلاطين، وبين فجيج “الخيْط خيْط…والحيْط حيْط..” كانت دلدول القورارية الحيْط المتين الذي استند عليه بوعمامة، مثل حيطان أم قرار وعين الصفراء وبشار والبيض وقرى الشعانبة والمشرية، فلم تكن خيوطاً باهتة غير صالحة للرّبط والنّسيج بل مُدناً وقرُى وشُعوباً تصدّ الظّالمين وتقهرُ الأعداء وترفضُ الخيانَة.

الرواية تتحدث عن روح إنسانيّة أكبر من الحروب والصّراعات وهي خميرة الوطنية والمقاومة، هي روحٌ تجعل من قائد حربي يستشير في الرّأي زوجته لالّة ربيعة ويسمع لصوْت المقهورين والمحتاجين وحين عودته إلى فجيج فهو يعود إلى بحث عن مَلاَذات وقواعد خلفيّة لاستمرار مقاومتِه ولكن هذه المقاومة يُحاصرها تحالف كان أقوى وأشدّ فتْكاً. في الأخير الصدّيق حاج أحمد فعلاً استدرك على المؤرخين والفيلم السينمائي بعُمرة هو أيضاً قام بها وجهد بذله في العودة إلى المصادر وعمل ميداني مكثف من أجْل أن نعيش معه عشْرة أعوام من نُسك ديني وسياسي ووطني وحربي وكما يقول أبراهام لينكون: “في النّهاية، ليست السّنوات في حياتِك هي ما يهمّ، بل الحياة في سنواتِك

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram