في كل شهر جوان من كل عام، تعود الذاكرة الوطنية الجزائرية إلى واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في تاريخ الثورة التحريرية المجيدة، حين واجه شهيد المقصلة أحمد زبانة آلة القمع الاستعمارية بكل شجاعة وثبات، ليصبح أول جزائري تنفذ فيه فرنسا حكم الإعدام بالمقصلة خلال الثورة، وليتحول اسمه إلى رمز خالد للتضحية والفداء.
ولد الشهيد أحمد زهانة، المعروف باسم أحمد زبانة، بمدينة زهانة بولاية معسكر، ونشأ في بيئة وطنية غرست فيه قيم الانتماء والوفاء للوطن. ومنذ شبابه المبكر انخرط في صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية التي كانت مدرسة حقيقية لتكوين الوعي الوطني وصقل شخصية جيل الثورة، قبل أن يلتحق بالحركة الوطنية ثم المنظمة الخاصة، حيث عرف بنشاطه الدؤوب وانضباطه وإيمانه الراسخ بحق الشعب الجزائري في الحرية والاستقلال.
ومع اقتراب موعد اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، أسندت إليه مهام تنظيمية هامة في منطقة الغرب الجزائري بتكليف من الشهيد العربي بن مهيدي، أحد أبرز قادة الثورة. فساهم في تجنيد المناضلين وتكوين الخلايا الثورية وتوفير السلاح والتخطيط للعمليات الأولى، واضعاً خبرته وإمكاناته في خدمة المشروع التحرري الذي كان يراهن على كسر قيود الاستعمار واسترجاع السيادة الوطنية.
وفي الحادي عشر من نوفمبر سنة 1954، شارك الشهيد أحمد زبانة في معركة غار بوجليدة الشهيرة، حيث أبدى مقاومة بطولية رغم التفوق العددي والعسكري لقوات الاحتلال الفرنسي. وأثناء الاشتباكات أصيب بجروح خطيرة إثر تلقيه رصاصتين، قبل أن يقع أسيراً بين أيدي القوات الاستعمارية التي سارعت إلى تقديمه للمحاكمة في محاولة لتوجيه ضربة معنوية للثورة الوليدة.
وبعد أشهر من التحقيقات والمحاكمات الصورية، صدر في حقه حكم بالإعدام. وفي فجر التاسع عشر من جوان سنة 1956، اقتيد إلى المقصلة داخل سجن سركاجي بالعاصمة. غير أن فرنسا الاستعمارية فوجئت بثبات الرجل الذي رفض الخضوع أو التراجع عن مبادئه، واستقبل لحظاته الأخيرة بإيمان عميق بعدالة القضية التي ناضل من أجلها.
وتبقى كلماته الأخيرة شاهداً على قوة إيمانه وانتصار إرادته على آلة القمع، حين قال: “إنني مبتهج بأن أكون أول من يصعد إلى المقصلة… فبنا أو بدوننا ستحيا الجزائر”. كلمات تحولت مع مرور الزمن إلى رسالة خالدة للأجيال، تؤكد أن الأوطان تبنى بالتضحيات وأن الحرية لا تمنح وإنما تنتزع بالنضال والصمود.
لقد اعتقدت الإدارة الاستعمارية الفرنسية أن تنفيذ حكم الإعدام سيخيف الجزائريين ويضعف عزيمتهم، غير أن استشهاد أحمد زبانة كان له أثر معاكس تماماً، إذ زاد من التفاف الشعب حول الثورة التحريرية، ورسخ قناعة الجزائريين بعدالة كفاحهم، لتتحول المقصلة التي أعدت لإخماد صوت الثورة إلى شاهد على فشل سياسة الترهيب الاستعماري.
واليوم، وبعد عقود من الاستقلال، ما يزال اسم أحمد زبانة حاضراً بقوة في الوجدان الوطني الجزائري، ليس فقط باعتباره أول شهيد أعدم بالمقصلة خلال الثورة التحريرية، بل لأنه جسد نموذج المجاهد المؤمن بقضيته، الذي قدم حياته فداءً لوطنه دون تردد أو خوف.
إن استحضار ذكرى أحمد زبانة ليس مجرد استذكار لحدث تاريخي، بل هو تجديد للعهد مع قيم الوطنية والتضحية والوفاء للشهداء الذين صنعوا استقلال الجزائر بدمائهم الزكية، وتركوا للأجيال إرثاً من العزة والكرامة سيظل منارة تهدي أبناء الوطن عبر الزمن.
رحم الله الشهيد أحمد زبانة، ورحم جميع شهداء الجزائر الأبرار الذين كتبوا بدمائهم الطاهرة ملحمة الحرية والاستقلال، وجعل ذكراهم خالدة في قلوب الجزائريين جيلاً بعد جيل.