ما قل ودل

معركة المخطوطات لا تقل أهمية عن معركة التحرير…الجزائر تهّب للبحث عن ذاكرتها المنهوبة

شارك المقال

لم تعد معركة استرجاع الذاكرة الوطنية بالنسبة للجزائر مجرد ملف ثقافي أو أكاديمي، بل تحولت إلى قضية سيادية بامتياز ترتبط بحماية الهوية الوطنية واستعادة ما تعرض للنهب والتشويه خلال الحقبة الاستعمارية. ويأتي نجاح الجزائر مؤخراً في استرجاع مخطوط نادر للعلامة الونشريسي في علم الفلك، بعد اقتنائه في مزاد علني دولي، ليؤكد أن الدولة الجزائرية تخوض اليوم حرباً ناعمة ولكنها شرسة من أجل استعادة ذاكرتها المكتوبة الموزعة عبر عواصم العالم ومكتباته ومتاحفه.

لقد أدرك الاستعمار الفرنسي منذ الأيام الأولى لاحتلال الجزائر أن السيطرة على الأرض لا تكتمل إلا بالسيطرة على الذاكرة. ولذلك لم تقتصر حملاته على إخضاع السكان ونهب الثروات، بل امتدت إلى استنزاف المكتبات العامة والخزائن العلمية والزوايا والمراكز الثقافية التي كانت تحتضن آلاف المخطوطات والوثائق التاريخية التي توثق للحضارة الجزائرية عبر القرون.

وشهدت السنوات الأولى للاحتلال عمليات واسعة للاستيلاء على الكتب النادرة والمخطوطات والسجلات الإدارية ووثائق الحالة المدنية والوثائق الرسمية التي كانت تشكل جزءاً من الذاكرة الجماعية للجزائريين. كما تعرضت العديد من المكتبات الخاصة والعامة للنهب المنظم، في محاولة لطمس الشواهد التي تثبت عمق الدولة الجزائرية وتاريخها السياسي والعلمي والحضاري.

ولم تسلم عاصمة الأمير عبد القادر المتنقلة “الزمالة” من هذه السياسة، حيث استولى الجيش الفرنسي على محتوياتها من وثائق ومراسلات وكتب ومخطوطات بعد سقوطها. كما تعرضت مدينة تاقدامت وغيرها من المراكز العلمية والثقافية إلى عمليات نهب مماثلة، نقلت على إثرها آلاف الوثائق إلى فرنسا وإلى مؤسسات أجنبية أخرى ما تزال تحتفظ بجزء معتبر من التراث المكتوب الجزائري إلى يومنا هذا.

كما امتدت عمليات النهب إلى عدد كبير من الزوايا التي كانت تمثل خزائن حقيقية للمعرفة، حيث احتوت على مؤلفات في التاريخ والفقه والعلوم والفلك والأنساب واللغة والأدب. وتكمن أهمية هذه المخطوطات في كونها لا تحفظ فقط التراث الفكري والعلمي للأمة، بل تقدم أيضاً معطيات دقيقة حول مختلف المراحل التاريخية التي عرفتها الجزائر، بما يسمح بإعادة قراءة التاريخ الوطني استناداً إلى مصادر أصلية بعيدة عن الروايات الاستعمارية التي حاولت طمس الكثير من الحقائق أو تحريفها.

إن استرجاع هذه الكنوز العلمية من شأنه أن يساهم في تصحيح العديد من المسائل التاريخية المتعلقة بالدول والحضارات التي تعاقبت على أرض الجزائر، بداية من العهود الإسلامية الأولى، مروراً بالدولة الرستمية والدولة الزيانية والموحدين والمرابطين والحفصيين، وصولاً إلى العهد العثماني وفترة المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي. فكل مخطوط يتم استعادته يمثل قطعة جديدة من فسيفساء التاريخ الوطني المفقود.

ولا يقتصر البحث عن الذاكرة الجزائرية المكتوبة على المكتبات الأوروبية فحسب، بل يمتد إلى مناطق عديدة من العالم الإسلامي والإفريقي، وفي مقدمتها مدينة تمبكتو التي شكلت عبر قرون طويلة مركزاً علمياً وحضارياً ارتبط بعلاقات وثيقة مع علماء الجزائر وطلبتها ورحلاتهم العلمية. كما أن العديد من المخطوطات الجزائرية ما تزال موزعة بين خزائن خاصة وعامة في مناطق مختلفة تنتظر جهوداً علمية و دبلوماسية ثقافية مكثفة للكشف عنها واستعادتها أو على الأقل رقمنتها وإتاحتها للباحثين.

إن معركة استرجاع المخطوطات ليست مجرد استعادة لأوراق قديمة، بل هي استرجاع لجزء من السيادة الوطنية وحق الأجيال في معرفة تاريخها الحقيقي من مصادره الأصلية. فالأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من هويتها، بينما الأمم التي تحافظ على تراثها وتستعيده كلما أمكن ذلك تضمن استمرارية شخصيتها الحضارية عبر الزمن.

ومن هذا المنطلق، أصبح الاستثمار في البحث عن المخطوطات الجزائرية وجمعها وفهرستها ورقمنتها واسترجاعها واجباً وطنياً وثقافياً وعلمياً لا يقل أهمية عن حماية الآثار والمعالم التاريخية. فكل مخطوط يعود إلى أرض الوطن يمثل انتصاراً جديداً للذاكرة الجزائرية، وخطوة إضافية نحو استكمال كتابة تاريخ الجزائر بأقلام أبنائها ووثائقها الأصيلة بعيداً عن التشويه والنسيان.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram