عندما يذكر اسم مذاغ والبرج الأبيض في ولاية وهران، تتجه الأذهان مباشرة إلى الشواطئ الساحرة والرمال الذهبية والغابات الكثيفة التي جعلت من المنطقة إحدى أبرز الوجهات السياحية في الغرب الجزائري. غير أن جمال الطبيعة يخفي بين تضاريسه واحدة من أعظم الملاحم البطولية التي سطرها مجاهدو جيش التحرير الوطني خلال الثورة التحريرية المباركة في مثل هذا اليوم، وهي معركة مذاغ التي تحولت إلى رمز للصمود والتضحية في مواجهة آلة الحرب الاستعمارية الفرنسية.
فعلى الطريق المؤدي إلى شاطئ مذاغ، وقبل الوصول إلى قرى عين الكرمة وعين تاسة التابعة لدائرة بوتليليس، تستوقف الزائر مقبرة الشهداء التي تحتضن رفات رجال قدموا أرواحهم فداء للوطن. وهناك تسود هيبة خاصة تجعل المارين بالمكان يخفضون أصواتهم، ويطفئون أجهزة الراديو، ويقفون إجلالاً لأبطال صنعوا بدمائهم صفحة مشرقة من تاريخ الجزائر.
ورغم أن الكثير من الزوار قد لا يعرفون تفاصيل ما جرى في تلك الربوع خلال سنوات الثورة، إلا أن الاستماع إلى شهادات من عاشوا تلك الأحداث يجعل المرء يدرك حجم التضحيات التي قدمها أولئك الرجال من أجل أن تنعم الأجيال اللاحقة بالحرية والاستقلال.
ومن بين هؤلاء الشهود المرحوم المجاهد جيلالي ألبو، الذي ظل يستحضر تفاصيل المعركة بعيون دامعة كلما عاد به الزمن إلى تلك الأيام الخالدة. فقد كان يتحدث عن رجال آمنوا بقضيتهم إلى درجة الاستعداد للموت دون تردد دفاعاً عن الجزائر.
وتشير الشهادات التاريخية إلى أن منطقة مذاغ كانت تحتضن خلال شهر جوان 1956 تجمعات كبيرة لكتائب جيش التحرير الوطني القادمة من مختلف النواحي الغربية، في إطار لقاء تنظيمي وعسكري مهم. غير أن تحركات المجاهدين لم تبق بعيدة عن أعين أجهزة الاستخبارات الاستعمارية التي سارعت إلى تحريك قوات ضخمة لمحاصرة المنطقة.
وفي التاسع عشر من جوان 1956، بدأت القوات الفرنسية عملية تمشيط واسعة النطاق بمشاركة وحدات من المظليين والمدرعات والقوات الخاصة، مدعومة بعناصر بحرية وجوية، بهدف القضاء على تجمعات المجاهدين في المنطقة. غير أن ما لم يكن في حسبان الجيش الفرنسي هو الاستعداد المحكم للمجاهدين الذين نصبوا كميناً محكماً في مضيق واد مذاغ، حيث تحولت الثقة الفرنسية إلى صدمة حقيقية أمام شراسة المقاومة الجزائرية.
ومع الساعات الأولى للاشتباكات، وجد المظليون الفرنسيون أنفسهم أمام مقاتلين يعرفون تضاريس المنطقة شبراً شبراً، ويتمتعون بإرادة قتالية استثنائية. فاستطاع المجاهدون بفضل تحصيناتهم الجيدة وشجاعتهم النادرة أن يوقفوا تقدم القوات الفرنسية ويلحقوا بها خسائر معتبرة، رغم الفارق الكبير في العتاد والإمكانيات العسكرية.
وتروي الشهادات أن المعركة سرعان ما اتسعت رقعتها لتشمل البر والجو والبحر، بعدما تدخلت الطائرات الحربية والبوارج البحرية المتمركزة قبالة سواحل البرج الأبيض ومذاغ لقصف مواقع المجاهدين ومحاصرتهم من مختلف الجهات.
وفي خضم تلك المواجهة غير المتكافئة، برزت واحدة من أروع صور التضحية في تاريخ الثورة التحريرية. فحين أصبح الانسحاب التكتيكي ضرورياً للحفاظ على ما تبقى من قوات جيش التحرير الوطني، نادى قادة الثورة في صفوف المجاهدين بحثاً عمن يحمون ظهور إخوانهم المنسحبين ويمنعون القوات الفرنسية من ملاحقتهم.
عندها تقدم عدد من المجاهدين الأبطال لمبايعة الموت، مدركين أنهم لن يعودوا من تلك المهمة. حملوا أسلحة إضافية وودعوا رفاقهم وداع الشهداء، ثم تمركزوا في مواقع المواجهة الأخيرة، حيث خاضوا معركة استشهادية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وبفضل صمودهم الأسطوري تمكنت بقية الكتائب من الانسحاب نحو المناطق الجبلية والغابات الكثيفة وإعادة تنظيم صفوفها بعيداً عن قبضة الجيش الفرنسي.
واستمرت المعارك إلى غاية حلول الظلام، قبل أن تتجدد في اليوم التالي مع وصول تعزيزات عسكرية فرنسية جديدة قادمة من تلمسان ومدعمة بعتاد ثقيل. غير أن المجاهدين واصلوا مقاومتهم ببسالة فوق مرتفعات جبل أكحل، حيث واجهوا القوات الغازية بإيمان لا يتزعزع وإرادة صنعت الفرق رغم اختلال موازين القوة.
لقد أثبتت معركة مذاغ أن الثورة الجزائرية لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت مدرسة في التضحية والإيمان بالقضية الوطنية. فقد واجه رجال بسطاء إمبراطورية استعمارية تملك أحدث الأسلحة والطائرات والبوارج، لكنهم امتلكوا ما هو أقوى من كل ذلك، وهو الإيمان بحرية الجزائر.
واليوم، ما تزال قبور الشهداء القريبة من شاطئ مذاغ شاهدة على تلك الملحمة الخالدة، تذّكر كل من يمر بالمكان بأن الاستقلال الذي تنعم به الجزائر اليوم لم يكن هبة من أحد، بل كان ثمرة دماء زكية سالت على هذه الأرض الطاهرة. وستبقى معركة مذاغ صفحة مشرقة في سجل الثورة التحريرية، ودليلاً على أن الشعب الجزائري كان وسيظل مستعداً للتضحية دفاعاً عن وطنه وكرامته وسيادته…رحم الله بواسل جيش التحرير و جعلهم من سكان علّيين…المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.