شهد اتحاد أكسفورد للمناظرات واحدة من أكثر المناظرات إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت قاعة المناظرات العريقة إلى ساحة مواجهة فكرية وسياسية حول الإسلام وصورته في الغرب، في حدث استقطب اهتمام وسائل الإعلام والرأي العام داخل بريطانيا وخارجها.
وجاءت المناظرة تحت عنوان: “يعتقد هذا المجلس أن الغرب محق في الشك في الإسلام”، وهو المقترح الذي دافع عنه الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون، المعروف بمواقفه المثيرة للجدل تجاه المسلمين والهجرة والتعددية الثقافية. غير أن النتيجة النهائية جاءت مخالفة لتوقعات أنصاره، بعدما صوّت أعضاء اتحاد أكسفورد ضد المقترح، في هزيمة رمزية لخطاب التشكيك والتعميم الذي استند إليه مؤيدو الطرح.
واكتسبت المناظرة أهمية إضافية بسبب رئاسة الطالبة الفلسطينية أروى الريس، ذات الأصول الغزية، التي وجدت نفسها في قلب عاصفة من الانتقادات والضغوط قبل انعقاد الحدث. ورغم الاعتراضات الواسعة على استضافة تومي روبنسون، تمسكت الريس بموقفها القائم على أن مواجهة الأفكار المتطرفة ينبغي أن تتم عبر النقاش العلني والحوار المفتوح، لا من خلال المنع أو الإقصاء.
وفي محيط مبنى الاتحاد، تحولت شوارع مدينة أكسفورد إلى ساحة احتجاجات واسعة، حيث تجمع مئات المتظاهرين رفضًا لانعقاد المناظرة واحتجاجًا على منح منصة لأحد أبرز وجوه اليمين المتطرف في بريطانيا. ورفعت خلال الاحتجاجات شعارات مناهضة للفاشية وداعمة للمهاجرين واللاجئين، فيما فرضت الشرطة إجراءات أمنية مشددة وأغلقت عدة شوارع رئيسية تحسبًا لأي مواجهات.
وأدت الاحتجاجات والحصار الأمني إلى تأخير انطلاق المناظرة لساعات، كما حالت الظروف الأمنية دون تمكن عدد من الحضور من دخول القاعة، بمن فيهم أفراد من عائلة أروى الريس الذين قدموا من الدوحة لمتابعة الحدث، لكنهم وجدوا أنفسهم خارج أسوار الاتحاد بسبب القيود الأمنية.
وتسلط هذه المناظرة الضوء على الجدل المتزايد داخل المجتمعات الغربية بشأن حدود حرية التعبير، وكيفية التعامل مع الخطابات المثيرة للانقسام، خاصة تلك المتعلقة بالإسلام والمسلمين. ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أن منح المنصات لمثل هذه الآراء يمثل تهديدًا للتعايش الاجتماعي، يعتبر آخرون أن النقاش المفتوح يظل الوسيلة الأنجع لتفنيد الأفكار المتطرفة وكشف تناقضاتها أمام الرأي العام.
كما تعكس نتائج التصويت داخل اتحاد أكسفورد أن قطاعًا واسعًا من الطلاب وأعضاء المؤسسة الأكاديمية العريقة رفضوا التعميمات التي تستهدف الإسلام كدين أو المسلمين كمجتمع، مؤكدين أن النقاش حول القضايا الدينية والثقافية ينبغي أن يتم بعيدًا عن الأحكام المسبقة والخطابات الإقصائية.
ولعل أبرز ما ميّز هذه المناظرة أن رئاستها كانت بيد طالبة فلسطينية تنحدر من غزة، في وقت تتصدر فيه القضية الفلسطينية واجهة الأحداث الدولية، الأمر الذي منح الحدث بعدًا رمزيًا إضافيًا، وجعل من أروى الريس شخصية محورية في واحدة من أكثر المناظرات إثارة للجدل في تاريخ اتحاد أكسفورد.
وبين الاحتجاجات في الشوارع، والنقاشات داخل القاعة، والتصويت النهائي الذي أسقط المقترح، خرجت مناظرة أكسفورد برسالة مفادها أن مواجهة الأفكار المثيرة للانقسام لا تكون دائمًا بالصمت أو المنع، بل قد تتحقق أيضًا عبر الحوار العلني الذي يسمح للأفكار بأن تُختبر أمام الجمهور، وللحقائق بأن تواجه الخطابات القائمة على الخوف والتعميم.
لقد انتهت المناظرة، لكن الأسئلة التي طرحتها حول الإسلام، وحرية التعبير، وخطاب الكراهية، وحدود الحوار في المجتمعات الديمقراطية، ستظل مطروحة لوقت طويل داخل الجامعات الغربية وخارجها.