ما قل ودل

من إيفيان إلى سويسرا…عندما تفرض قوة الموقف شروط التفاوض

صورة بقت في التاريخ للوفد الجزائري خلال مفاوضات إيفيان

شارك المقال

علمتنا التجارب التاريخية أن المفاوضات لا تُحسم دائمًا بحجم القوة العسكرية أو الاقتصادية فحسب، بل تُحسم أحيانًا بمدى صلابة الموقف السياسي وقدرة الطرف المفاوض على التمسك بثوابته وعدم التنازل عن مصالحه الأساسية. وبينما يتابع العالم جولات الحوار بين إيران والولايات المتحدة، يستحضر كثيرون تجارب تاريخية سابقة كان أبرزها تجربة الوفد الجزائري خلال مفاوضات إيفيان الأولى و الثانية التي مهدت لاستقلال الجزائر.

فقد أظهرت المفاوضات الإيرانية الأخيرة، وفق العديد من المراقبين، إصرارًا إيرانيًا على التمسك بما تعتبره طهران حقوقًا سيادية تتعلق ببرنامجها النووي ومكانتها الإقليمية. ويرى بعض المحللين أن امتلاك إيران لقدرات صناعية وعلمية وعسكرية محلية، إضافة إلى سعيها لتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، منحها هامشًا أوسع للمناورة والتفاوض.

وتؤكد هذه التجربة أن الدول التي تستثمر في أمنها الغذائي، وتطور صناعاتها الوطنية، وتبني قدراتها العلمية والتكنولوجية، تصبح أكثر قدرة على حماية قراراتها السيادية، وأقل عرضة للضغوط الخارجية. فالقوة الاقتصادية والعلمية أصبحت اليوم أحد أهم عناصر النفوذ في العلاقات الدولية.

وفي الذاكرة الجزائرية، تبرز مفاوضات إيفيان كواحدة من أبرز المحطات التي جسدت صلابة الموقف التفاوضي. فوفد جبهة التحرير الوطني دخل المفاوضات وهو يحمل هدفًا واضحًا يتمثل في الاستقلال الكامل ووحدة التراب الوطني. وعندما طرحت فرنسا بعض التصورات المتعلقة بمستقبل الصحراء الجزائرية، تمسك المفاوض الجزائري بمبدأ وحدة البلاد، في وقت كانت فيه المعارك العسكرية مستمرة على الأرض.

لقد أدرك قادة الثورة الجزائرية أن الاستقلال لا يقتصر على رفع العلم الوطني، بل يشمل أيضًا الحفاظ على وحدة التراب الوطني والسيادة الكاملة على الثروات والحدود. ولذلك جاءت اتفاقيات إيفيان بعد مفاوضات شاقة وطويلة، دفعت خلالها الجزائر ثمنًا باهظًا من التضحيات.

واليوم، يرى بعض المتابعين أن التجربتين الجزائرية والإيرانية، رغم اختلاف الظروف والسياقات التاريخية والسياسية، تلتقيان في فكرة أساسية تتمثل في أن قوة المفاوض تنبع أولًا من قوة الجبهة الداخلية، ومن امتلاك عناصر الاستقلال الاقتصادي والعلمي والسياسي.

كما أن التحولات الدولية الجارية خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، أعادت طرح النقاش حول طبيعة النظام الدولي ومستقبل موازين القوى العالمية. فصعود قوى جديدة وتنامي أدوار دول إقليمية مختلفة يدفع العديد من الباحثين إلى الحديث عن نظام دولي متعدد الأقطاب مقارنة بمرحلة الهيمنة الأحادية التي سادت بعد نهاية الحرب الباردة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التجارب الوطنية التي نجحت في الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية عبر التفاوض، دون التفريط في ثوابتها الأساسية. فالجزائر خلال ثورتها التحريرية، وإيران في سياقها الخاص، تقدمان نموذجًا لاعتبار المفاوضات امتدادًا للصمود السياسي والقدرة على التمسك بالمواقف.

ويبقى الدرس الأبرز الذي تقدمه التجارب التاريخية أن قوة الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد طبيعية أو إمكانات عسكرية، بل أيضًا بقدرتها على بناء اقتصاد قوي، وتعزيز البحث العلمي، وتحقيق الأمن الغذائي، وتكوين نخب قادرة على الدفاع عن مصالح أوطانها على طاولة المفاوضات.

ففي النهاية، قد تختلف الأزمنة والظروف، لكن التاريخ يؤكد دائمًا أن الشعوب التي تتمسك بسيادتها، وتستثمر في قدراتها الذاتية، تمتلك أوراقًا أقوى عندما تجلس إلى طاولة التفاوض.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram