عقب كل تعثر تتعرض له تشكيلة الخضر، تتعالى الأصوات المنتقدة وتزداد المخاوف بشأن مستقبل “محاربي الصحراء” في المنافسات الكبرى، غير أن تاريخ كرة القدم يؤكد أن البطولات العالمية لا تُحسم دائمًا بالبدايات القوية، وأن المنتخبات العظيمة كثيرًا ما صنعت مجدها بعد مراحل صعبة وتعثرات مؤلمة.
ولعل أفضل مثال على ذلك المنتخب الإيطالي، الذي عرف عبر تاريخه الطويل كيف يحول الشكوك والانتقادات إلى إنجازات تاريخية. ففي مونديال إسبانيا سنة 1982، عانى “الآتزوري” الأمرين خلال الدور الأول، وتأهل بصعوبة كبيرة وسط انتقادات لاذعة طالت اللاعبين والطاقم الفني، حتى إن بعض التفاصيل المرتبطة بالمجموعة بقيت راسخة في ذاكرة عشاق الكرة العالمية. لكن المنتخب الإيطالي بقيادة دينو زوف وباولو روسي استطاع أن يقلب كل التوقعات، ويحقق واحدة من أعظم قصص النجاح في تاريخ كأس العالم.
هذا المثال التاريخي يطرح اليوم سؤالًا مشروعًا: لماذا لا نمنح منتخبنا الوطني الجزائري الفرصة ذاتها؟ ولماذا تتحول كل هزيمة أو تعثر إلى أزمة وطنية بدل أن تكون محطة للمراجعة والدعم والمساندة؟
فالمشكل الذي يعاني منه المنتخب الوطني لا يبدو تقنيًا أو بدنيًا بالدرجة الأولى، بقدر ما يتعلق بالجانب النفسي. وقد ظهر ذلك جليًا في في مبارة أمس أمام منتخب “النشامى”، حيث بدا الارتباك واضحًا على عدد من اللاعبين، وكأن كل عنصر يخشى أن يتحمل مسؤولية ضياع فرصة أو ارتكاب هفوة دفاعية قد تجعله عرضة للانتقادات.
ولم يسلم حتى حارس المرمى من هذا الضغط، في ظل أجواء مشحونة تجعل اللاعب يدخل إلى أرضية الميدان وهو يفكر أحيانًا في ردود الأفعال أكثر من تركيزه على تفاصيل المباراة نفسها. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن المنتخب الذي يفقد هدوءه النفسي يصعب عليه تقديم مستواه الحقيقي مهما امتلك من إمكانات فنية.
ويرى العديد من المتابعين أن مواجهة الأردن تمثل فرصة مثالية لاستعادة الثقة والعودة إلى سكة النتائج الإيجابية، خاصة أن بعض آثار مباراة الأرجنتين وما خلفته من ارتباك ذهني يمكن تجاوزها إذا استعاد اللاعبون ثقتهم بأنفسهم وابتعدوا عن الضغوط الزائدة.
كما أن المتابع للمواجهة التي جمعت الأرجنتين بالنمسا يدرك أن البافاريين ليسوا بالمنتخب الذي لا يقهر، وأن كرة القدم الحديثة لا تعترف بالأسماء أو التاريخ وحده، بل تحسم معظم تفاصيلها الروح القتالية والتركيز والانضباط فوق أرضية الميدان.
لذا فالمنتخب النمساوي، الذي ما زال يحمل في الذاكرة الجزائرية ذكريات مؤلمة مرتبطة بمونديال 1982، لا يبدو اليوم ذلك المنافس المخيف الذي لا يمكن تجاوزه، بل يبقى منتخبًا يمكن التعامل معه إذا دخل “الخضر” المباراة بعزيمة وثقة واستقرار نفسي.
إن المنتخب الوطني لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الجدل أو الانقسامات، بل إلى الالتفاف الجماهيري والإعلامي الذي يمنح اللاعبين الطمأنينة والثقة. فالاستشفاء المعنوي لا يقل أهمية عن الاستشفاء البدني، واللاعب الذي يشعر بثقة جماهيره يكون أكثر قدرة على تقديم أفضل ما لديه.
و مرة أخرى نعود للمثل الذي ضربناه سالفا فإيطاليا أثبتت سنة 1982 أن البدايات المتعثرة لا تمنع من صناعة المجد، وأن المنتخبات الكبيرة تعرف كيف تتحول من لحظات الشك إلى منصات التتويج. والمنتخب الجزائري يملك من المواهب والخبرات ما يسمح له بتجاوز هذه المرحلة إذا توفرت الظروف النفسية المناسبة.
فيا محاربي الصحراء، خذوا العبرة من إيطاليا، وتذكروا أن المونديال لا يلعب بالأقدام فقط، بل يلعب أيضا بالإرادة والثقة والعزيمة، وأن الجماهير الجزائرية ستبقى دائما خلف منتخبها مهما كانت الظروف، لأن الحلم لا ينتهي بخسارة، والطريق إلى الإنجاز يبدأ أحيانًا من أصعب اللحظات.