ما قل ودل

السلام عليكم الرمّانة…مقهى أدب المقاومة و الصنعة التلمسانية

مقهى الرمّانة بين الماضي و الحاضر

شارك المقال

بقلم الإعلامي د. غوتي شقرون جامعة وهران 1

الفضاءات الجغرافية أو الأمكنة لها أبعاد اجتماعية مادية و نفسية، و يتمثل البعد المادي للمكان في الموقع الجغرافي، فالمكان يمثل ديكورا إما داخلي أو خارجي و قد يكون مدينة أو قرية أو جبالا أو مقبرة أو صحراء أو معلما تاريخيا… و للمكان دلالات مختلفة قد تعكس الفقر و الأمل و كافة الإنفعالات الأخرى كالقلق و الإستقرار مثلا. كما أن المكان له وظيفة حقيقية ممثلة في الأشخاص و الأشياء الموجودة بداخله و التي تتفاعل معه باستمرار.

أما البعد الإجتماعي فيتمثل في المستوى الإجتماعي للمكان و العلاقات التي يحدثها بين المقيمين فيه سواء تلك العلاقات الاجتماعية أو التاريخية السائدة بينهم و التي تربطهم ببيئة و محيط المكان.

نقصد بالبعد النفسي للمكان التأثير الذي يحدثه على مستوى عاطفة و شعور الناس الذين يشغلون الفضاء، فهم و بدون شك يقيمون علاقات حميمية معه، و لا يمكن للذاكرة أن تتخلى عنها مهما بعُدت المسافات. فالبعض يشعر بالحنين إليه و يراه البعض الآخر مصدرا للشقاء فيرحلون منه بذكريات أليمة و يقبل عليه آخرون فيتعلقون به أيما تعلق. يخوض المكان صراعات مع أماكن أخرى كالصراع بين سكان الأحياء الشعبية و الراقية و الصراع ضد الظروف الطبيعية و الأخطار من أجل البقاء.

هذه الأبعاد الثلاثة تتوفر في مقهى الرمانة بقلب المدينة تلمسان فبداخله نُسِجت علاقات اجتماعية دافئة بين المترّددين عليه من داخل و خارج أسوار المدينة، و فيه تأسست أولى إرهاصات أدب المقاومة و فيه مارس الجزائريون الطب التقليدي و فيه التقى شيوخ الصنعة التلمسانية. كل ذلك شّكل فضاءا مميزا لهؤلاء و أولئك بداخل هذا المقهى الشعبي الذي تجّلت فيه كل مظاهر الثقافة الشعبية الجزائرية بأسمى معانيها.

أخذ المقهى تسميته من شجرة الرمّان ” الرمانة ” الشجرة المباركة المعّمرة السامقة التي تتوسط الباحة و التي لم تبخل هي الأخرى بفاكهتها و ظلها الظليل صيفا على محبيها من العابرين لارتشاف فنجان قهوة ” الجزوة ” على الطريقة التقليدية ” الكانون و النُصُب و الجمر”، أو الوافدين عليها للتسّوق، أو حتى الذين نسميهم بالعامية ” قتلة الوقت ” الذين يمضون ساعات طويلة بداخلها يلعبون الورق ” الْكَارْطَة ” أو ” الدومينو “.

تشير بعض الدراسات التاريخية أن قهوة الرمانة تعود للعهد الزياني، و هي أصلا فندق تقليدي على نمط الهندسة المعمارية العربية الإسلامية في تلك الفترة، تحوّل إلى مقهى خلال الفترة العثمانية. و تقول بعض الروايات أن الفندق كان إقامة للتجار القادمين من أصقاع العالم إلى سوق القيصرية كما كان محطة استراحة للحجّاج المارين عبر تلمسان.

الرمانة ليست مجرد مكان أو موقع جغرافي بل هي شعور و ذاكرة ارتبطت باللحظات السعيدة و المؤلمة للأشخاص الذين ارتبطوا بها، و صارت ملاذا يستعيدون إليه ذكرياتهم و انتماءهم و نضالهم و جزءا من حياتهم دخل حيّز النسيان. يقع المقهى خلف جدران شارع الشهيد النقيب” الأزهري شقرون ” الذي يصل بين مسجدي سيدي البناء و أبي الحسن و المتقاطع مع درب سيدي حامد المحاذي للقيصرية ” السوق الشعبية.

الرمانة مقهى أدبي نضالي بقي شامخا خلال فترة الإستدمار الفرنسي أطلق عليها تسمية ” مقهى المور ” أي العرب المسلمين، جمع تحت سقفه مناضلين و روادا من الحركة الوطنية و مجاهدي الثورة التحريرية المظفرة. كانوا يلتقون سرأ بعيدا عن عيون فرنسا ليناقشوا الأوضاع المزرية للشعب الجزائري، و يخططون للعمليات الفدائية و يتبادلون الرسائل الشفاهية و الخطية التي كان يحملها رجال الاتصال إلى المسؤولين السياسيين و العسكريين لجبهة و جيش التحرير الوطني داخل و خارج تلمسان. في سنة 1957 أغلقت السلطات الفرنسية المقهى باعتباره مكانا خطيرا على سياستها الأمنية.

الفضاء كان المكان المفضل لشيوخ موسيقى الحوزى و الصنعة التلمسانية حسب بعض الروايات، كانت مجالسهم فنية على الحصيرة المصنوعة من نبات الحلفاء، يدور حديثهم فيها على الآلات الموسيقية بكل أصنافها الوترية و الإيقاعية و النفخية ، و عن القصيدة الأندلسية نظما و لحنا. فبينما بعض الزبائن منهمكون في لعب الورق، و البعض الآخر يناقش السياسة، كان آخرون يسمعون ألحان شجية من معلمي الصنعة، ذالك أن تلمسان معروفة كمدرسة موسيقية مشهورة ضمن كبريات المدارس الفنية على المستوى الوطني.

صاحب ثلاثية الجزائر الأديب العالمي ” محمد ديب ” الذي يسكن غير بعيد عن مقهى الرمانة كان يكثر الجلوس فيه، و في قرية عوشبة الجبلية في منطقة وادي الشولي، و من هذه الأمكنة الملهمة راودته إرهاصات رواية الحريق و هو يقرأ الظلم و بوادر الثورة و الغليان في وجوه الطبقات الشعبية، و يترجمها إلى حروف و كلمات في الخمسينيات سوف تُخلَّد في مسلسل الحريق للمخرج ” مصطفى بديع “، زيادة على مجموعته القصصية ” في المقهى” سنة 1955 . في القصة نقل محمد ديب المقهى من فضاء شعبي للثرثرة إلى فضاء للتخطيط للثورة و محاكاة تجارب إنسانية خالدة.

الرمانة هي أيضا مشفى المصابين المعوزين من الأهالي بمرض ” البُوسَفِيرْ ” ، عن طريق الْكَيّ على أيدي ” عمي بونوار ” الورنيدي أو ” عمي الطيب ” و يشربون شاي ” عمي الزوبير ” و ” سيد أحمد” من الغَلاَّية على الجمر. كل ذلك عاد من الماضي، و ارتحل القوم و صار المقهى بدون أصحابٍ:

لا تسألِ الدارَ عن مَن كان يسكُنُها البابُ يُخبِرُ أن القوم قد رحلُوا**ما أبلغ الصمتُ لما جئتُ أسألُهُ صمتٌ يعاتِبُ من خانوهُ و ارتحلُوا

يا طارِقَ البابِ رفقًا حين تطرُقُهُ فإنه لم يعُدْ في الدار أصحابُ**تفرّقوا في دروب الأرضِ و انتثرُوا كأنه لم يكُن أنسٌ و أحبابُ.

اليوم هذا الفضاء الحضاري و التاريخي يعاني صروف الدهر و البشر لما آل إليه من تدهور و يعاني في صمت رهيب و تتداعى له قيصرية تلمسان باعتباره عضوا من الجسم الأثري العمراني للمدينة.

النسيان و اللامبالاة عاملان بشريان يدوسان على التاريخ و الحضارة عندما ندير ظهورنا للمعالم و الشواهد الحضارية التي هي جزء من هويتنا.

توقف مشروع الترميم لسنة 2011 بمناسبة تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية نتيجة خلاف يتعّلق بالعقار بين المُلاّك الأصليين و مصالح الثقافة و يُخشَى أن يتوارى الفضاء عن الأنظار و عن الذاكرة الجماعية دون التوّصل لحل وسط بين طرفي النزاع.

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram