ما قل ودل

تكريمُ ونقْل رفاتِ المؤرِّخ المقاوِم مارك بلوخ إلى مقْبرةِ العُظمَاء…حين يَمتزج العِلمُ بالوطنيّةِ

شارك المقال

تابعت أمس إحياء ذكرى مرور ثمانين سنة على نهاية الحرب العالميّة الثّانية وتحرير فرنسا من النّازية تكريم مؤرِّخ ومثقّف أكاديمي قاوم النّازية وشارك في حربين عالميّتين، وأُعْدم سنة 1944، ويعرفه العالم بتأسيسه لمدرسة “الحوليّات” التي مازال وهجها قائماً والعودة إليها اليوم في الحديث عن “التّكامُل المعرفي” إذ دعت المدرسة إلى استعانة المؤرخ بالأنثربولوجيا والفلسفة والاقتصاد والدّيمغرافيا وعلم النفس، وكان لها تأثير على النُّخب الجزائريّة (وضعنا مقدمة دراسيّة لبعض مقالات مصطفى الأشرف عن “الجزائر في التاريخ” صدرت نهاية السنة الماضية).

و في معرض حديثه يقول الرّئيس ماكرون: “لقد كتب –بلوخ- للأجيال القادمة قصّة تلك الهزيمة الغريبة، هزيمة إرادتنا الفرنسية التي أضعفها المحافظة، ونوّمَها الامتثال، وأضعفتها البيروقراطيّة”، وهو تكريم فيه بلاغة قويّة ضدّ اليمين المتطرف والعنصرية في فرنسا، واستشهد ماكرون بكتاب بلوخ: “الهزيمة الغريبة” -L’Étrange défaite- الذي يؤُكّد فيه أن الهزيمة أمام ألمانيا النّازية كان بسبب الهزيمة الحضارية والأخلاقية والفكرية، واستشهاد ماكرون به تحذير واضح مما قد يصيب فرنسا وأوروبا مستقبلاً إذا لم تنتبه إلى ذلك.

لكن للأسف رؤية مارك بلوخ وغيره من جيل المدرسة الحوليّة الأولى لم ترَ إلى بشاعة الاستعمار الفرنسي في إفريقيا والجزائر بالخصوص وأنّ هزيمتها الأخلاقية والإنسانية في كونها استعماريّة وأبادت شعوباً أخرى، وأن الحربين العالميتين التي شارك فيها بلوخ كانت العنصرية الفرنسية وتجنيد شباب من بلدان إفريقية وتقديمهم للموت من أجل أوطان غيرهم، إنّ “العمى الفكري” و”المركزية الغربيّة” تُبقي مثل هذه الشّخصيات رغم عظمتها وشهرتها وما قدّمته للمعرفة الإنسانية مجروحَة.

هذا التّكريم جعل بعض وسائل الإعلام الفرنسيّة تتذكّر وصيّته قبل إعدامه، وممّا جاء فيها: “أنا أصَرِّح بأنّني ولدتُ يهودياً… ولم يخطر ببالي يوماً أن أنكر ذلك. ولكنّني، في الوقت نفسِه، عشتُ حياتي كلّها فرنسيّاً قبل كل شيء. أنا مرتبط بوطني فرنسا بارتباط عائلي قديم وعميق، لقد غُذيتُ بثقافتها، وتنفستُ من تاريخها، وحاربتُ في صفوفها في حربين”.

أتابع هذا التكريم والدفن في مقبرة العظماء، فحين يعاد دفن رفاتهم هو تجديد للعهد وافتخار بالتاريخ، وعند شعوب أخرى تكون الذكرى والتخليد بأشكال أخرى وليس فقط إعادة دفن الرفات، و”العظمة العلميّة” هي الأكبر حين ترتبط بالوطن والإخلاص للإنسانيّة وقيم العدالة والخير والحقّ.

 

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram